أعلن موقع «ويكيليكس» الإلكتروني الشهير عن نيته نشر وثائق سرية من شأنها أن تسيء لسمعة شخصيات روسية، الأمر الذي يطرح تساؤلات وجدلا حول هذا الموقع الذي على ما يبدو أن أصحابه يخططون له ليتحول إلى «بن لادن» آخر يخرج على العالم كل حين وآخر يحمل تهديدات لجهات مختلفة ومتباينة ولا رابط بينها سوى أوهام وادعاءات.

فبالأمس القريب كان ويكليكس يشن حملته التهديدية للولايات المتحدة بإدارتها الحالية والسابقة، مدعيا أرقاما خيالية من الوثائق التي تحتاج لسنوات وعقود لمطالعتها وتحليلها، بمعنى أن الأمر يتم تضخيمه بالشكل الذي يبعث على اليأس من السعي للتأكد من صحته أو مصداقيته.

واليوم ينتقل ويكيليكس فجأة وبدون مقدمات من أقصى الغرب عبر الأطلسي إلى أقصى الشرق عبر الأورال ليهدد في هذه المرة روسيا، مدعيا ان لديه وثائق سرية تفضح شخصيات روسية، ولم يشأ الموقع أن يذكر أي شخصية من الشخصيات التي يدعيها في روسيا، أي أنه يتبع نظام الفرقعة وإثارة الزوابع.

وكيف لموقع يدعي أنه انكب على جمع مئات الآلاف من الوثائق عن الحرب في العراق وأفغانستان أن يتجه ليبحث عن وثائق سرية عن روسيا التي لا علاقة لها بالحرب في العراق وأفغانستان لا من قريب ولا من بعيد، ألم يكن من الأولى للموقع أن يبحث عن دولة أخرى لها نشاط ملحوظ في الحرب الأميركية على الإرهاب.

ما يدعيه ويكيليكس من حجم عمله ونشاطه على الدول الكبيرة لا يتصور عاقل أن يقوم به موقع إلكتروني يعمل عليه أفراد بسطاء لا يزيد عددهم عن عدد أصابع اليد، خاصة وأن ويكيليكس لم يكن له أي وجود أو شهرة منذ وقت قريب، فمن أين أتى فجأة بكل هذه الإمكانيات؟

موقع «ويكيليكس» لا يزيد عن كونه عبارة عن وسيلة من وسائل الصراع على سيادة العالم، تديره طغمة مالية متعددة الجنسيات لها مصالح كبيرة في الولايات المتحدة وفي أنحاء كثيرة من العالم، هذه الطغمة بدأت تستشعر الخطر على مصالحها في إطار الصراع على سيادة العالم الذي ابتدأ منذ سنوات قليلة، ووصل إلى مراحل متقدمة في الوقت الراهن.

الولايات المتحدة على وشك أن تفقد موقعها كقطب وحيد في العالم، ولم تعد هي السيدة لهذا العالم، وتواصل الصين والهند وروسيا ودول أميركا اللاتينية ودول العالم الإسلامي، سعيها بزخم متزايد للعب أدوار متعاظمة على الساحة الدولية.

ولقد تنبهت «الطغمة المالية متعددة الجنسيات» للخطر الكبير الذي يمكن أن يطالها، إذا استمرت الأمور في التطور على هذا النحو، لهذا بادرت إلى تنظيم حملة من التشويه للبنية الحكومية لتلك الدول، لكي تتمكن من السيطرة عليها فيما بعد.

هذه «الطغمة المالية متعددة الجنسيات» تتمركز بشكل رئيسي في أوروبا والولايات المتحدة. ففي هاتين المنطقتين تحديدا تتمركز على سبيل المثال لا الحصر البيوت المالية التابعة لعائلة روتشيلد وروكفلر والمنظومة الاحتياطية المالية وغيرها، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة بعظمتها لا تعتبر في الوقت الحاضر دولة مستقلة اقتصاديا.

بل هي أيضا تخضع لسلطان هذه الطغمة المالية ونفوذها، وهذه «الطغمة المالية متعددة الجنسيات» تستهدف «الدولة» بمفهومها الشامل، لكي تضعف دورها في إدارة العمليات التي يشهدها العالم المعاصر، وهذا ما يفسر تعرض القيادة الأميركية لحملة تشويه شعواء على يد موقع «ويكيليكس»، الذي يعتبر الذراع المقاتل ل«الطغمة».

وفي ما يتعلق بتهديد موقع «ويكيليكس» بنشر وثائق سرية تسيء لسمعة شخصيات روسية، فإن المحللون في روسيا يرون أن ذلك جاء بمثابة رد على القمة الثلاثية، التي جرت مؤخرا، بين كل من الرئيس الروسي دميتري مدفيديف، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، والتي ناقشت بشكل معمق مسألة بناء نظام مالي عالمي جديد، يفقد الدولار فيه دوره كعملة احتياطية عالمية وحيدة.

وهذا الأمر، في حال تحقيقه، يمكن أن يلحق أضرارا جسيمة بمصالح «الطغمة المالية». لهذا تسعى هذه «الطغمة» لتوجيه ضربة استباقية موجعة، لكل من تسول له نفسه الحديث عن نظام مالي عالمي جديد.

وقد يشك البعض في قدرة موقع إلكتروني على إلحاق الأذى بدولة عظيمة كروسيا، لكن الكشف عن وثائق، حتى لو كانت مفبركة، يمكن أن يتبعه ملاحقات لشخصيات معينة، وتشويه سمعة هذه الشخصيات وتحجيم شعبيتها لدى شعوبها، وقد تتصاعد الدعوات مطالبة بفتح تحقيق جنائي ضدهم.

مما ينتج عنه مزيد من الضغوط على هذه الشخصيات قد تتصاعد لتجبر هذه الشخصيات على الابتعاد عن دائرة الضوء ودخول شخصيات أخرى تنفذ في روسيا ما تريده هذه الطغمة المالية المتعددة الجنسيات، ألا وهو تفتيت روسيا إلى دويلات صغيرة.

كاتب روسي

Luon1935@kin.rua