بين جلسة مجلس الوزراء الأخيرة التي أرجئت بسبب سفر الرئيس سعد الحريري إلى بريطانيا والتي كان يفترض ان تطرح مسألة «شهود الزور» في أول اجتماع لمجلس الوزراء وتعثر انعقاد جلسة مؤتمر الحوار الوطني بعد انقطاع طويل بعد اللقاء الاستثنائي الذي جمع سفراء سوريا والمملكة العربية السعودية وإيران وبدعوة من السفير السوري.
تتأرجح الأزمة اللبنانية بين آفاق مشروع حل يجري إنضاجه بين العواصم الاقليمية المعنية بمشاركة فرنسية لافتة أكد حصولها الرئيس نبيه بري خصوصا بعد زيارته باريس واجتماعه إلى الرئيس الفرنسي وبين تأزم متزايد يمليه عدم العثور بعد على مخرج يرضي الأطراف المتنازعة.
لكن هذه الضبابية التي تخيم على الوضع اللبناني، وتمنع إمكان التأكيد القاطع على الوجهة التي ستأخذها الأحداث، لا تحول دون رؤية عدد من المؤشرات المتزايدة وضوحاً:
1 ـ استمرار بل توثيق التناغم السعودي ؟ السوري رغم انه لم يمتد ليشمل ملف العراق مما يجعل المراقبين يتخوفون من انعكاس التعثر العراقي على الوفاق السوري ـ السعودي.
آخر مظاهر هذا التنسيق المعلن بين المملكة السعودية وسوريا، زيارة نجل الملك السعودي ومستشاره الأمير عبد العزيز إلى سوريا، بعد القمم المتتالية بين الملك عبد الله والرئيس السوري بشار الأسد والتي أشارت المعلومات الموثوقة عنها إلى «خريطة طريق» يجري تداولها بين العاصمتين العربيتين تكون مكتوبة وتفصيلية كيلا يتبرأ منها أي طرف لاحقا في حال عادت العلاقات إلى التردي.
2 ـ عدم اهتزاز العلاقة الحسنة عموما التي نهضت أخيراً بين الرئيس سعد الحريري والحكم في سوريا رغم التلبد الذي تسببت به المذكرات القضائية السورية بحق شخصيات لبنانية مقربة في جلها الأعظم من الرئيس الحريري.
وكانت إشارة لمستشارة الرئيس السوري الدكتورة بثينة شعبان إلى استقرار العلاقة السورية مع الحريري من غير إشكال أو سلبية أو قطيعة ما لافتة في توقيتها ومدلولاتها.
3 ـ انتقال التشاور بين سفراء المملكة العربية السعودية وسوريا وإيران إلى مرحلة متقدمة لم تسجل سابقا. وتزداد أهمية هذه المبادرة الثلاثية مع توالي التحسن في العلاقات السعودية ـ الإيرانية التي شهدت اتصالات متعددة من الرئيس الإيراني بالملك السعودي كان أبرزها الاتصال الذي انعقد بينهما قبل زيارة الرئيس الإيراني إلى بيروت مؤخراً.
4 ـ نجاح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في لعب الدور التوافقي المنشود منه مدعوما بذلك من الثنائي التوفيقي الكبير متمثلاً بالرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط.
ومن مؤشرات استمرار الرئاسة الأولى في المحافظة على التوازن الوطني هو امتناع العماد سليمان عن الاحتكام إلى التصويت في أي موضوع خلافي رئيسي وايثاره التوافق خارج جلسات مجلس الوزراء على اللجوء إلى التصويت الذي تعتبره اوساطه «بغيضاً» في بلد لا يقوم على التصويت العددي بل على التوافق السياسي بين مكونات الحياة السياسية ورموزها.
وكان واضحاً ان الوزراء المحسوبين على رئيس الجمهورية يلتزمون مواقف معتدلة وتسوية يعبر عنها خير تعبير الوزير عدنان السيد حسين.
لكن ما هي ملامح الحل الذي تعمل المملكة العربية السعودية على إنضاجه مع سوريا؟
رغم شحة المعلومات حول هذا الموضوع المفصلي بل انعدامها تشير أوساط إعلامية مقربة من العربية السعودية إلى التداول في عدد من النقاط أبرزها.
ـ التوافق بدعم فرنسي على عدم نشر القرار الظني في وسائل الإعلام وتداوله بشكل مكتوم بين المعنيين بالامر.
ـ عدم الاعتماد في اي من اسانيد قرار المحكمة على «داتا» الاتصالات الهاتفية، أو التحقيقات مع «شهود الزور» باعتبارها غير موثوقة وخاضعة لإمكان التدخل الإسرائيلي بل والتلاعب تقنياً، فضلاً عن ان إفادات شهود الزور بات مشكوكا بصدقيتها بإقرار المحكمة نفسها.
ـ عدم الإشارة إلى أية صفة حزبية في أي اتهام وجعله مقتصرا على الأسماء من دون إشارات مذهبية أو سياسية يشتم منها اتهام طرف سياسي بعينه.
ـ عدم توسع التحقيق الدولي واقتصار التحقيق على المعلومات المتصلة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 شباط 2005 من دون اشتماله على إشارات إلى الاغتيالات الأخرى.
ـ إصدار الرئيس سعد الحريري بيانا يسبق صدور القرار الظني يعلن فيه تبرءه من أي اتهام بحق «حزب الله» كطرف سياسي.
قد لا تجيب هذه الشذرات عن التساؤلات الكثيرة لكن المطابخ الداخلية بين العواصم المعنية تعمل بأقصى طاقتها من اجل حماية سلم أهلي داخلي لا يبدو محصناً بما فيه الكفاية أمام الأعاصير.
ما يقلق بيروت ليس اقتراب موعد صدور القرار الظني الذي ترجح أوساط المحكمة الدولية ان يتم في ديسمبر هذا العام فقط، وليس التسريبات والتقارير التي تعج بها إحدى الصحف العربية (الشرق الأوسط) عن خطة عسكرية للمعارضة بقيادة «حزب الله» للاطباق عسكريا على بيروت وجبل لبنان، يوم صدور القرار الظني فحسب، بل خصوصا عودة التوتر إلى العلاقة الأميركية السورية بعد فترة هدوء وتقارب.
فمساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشرق الأدنى جيفري فيلتمان لا يترك مناسبة دون ان يتحدث سلبا عن سوريا ودورها في لبنان وآخر تصريحات الوزير النافذ في دوائر السياسة الخارجية الأميركية تحدثت ان أصدقاء سوريا في لبنان يقوضون الاستقرار «وهو امر له ثمنه على علاقاتنا الثنائية مع دمشق وكما وصف خطوات التقارب الأميركي السوري بانها «خطوات متواضعة»، غير متوقع ان تقطع العلاقات شوطا كبيراً من التحسن.
فهل تتجاوز العلاقة الأميركية ـ السورية، عنق الزجاجة ام ان الثمن المطلوب من سوريا دفعه في لبنان والعراق وفلسطين يفوق قدرتها أو يتصادم مع رغبتها؟
هل يستطيع التفاهم السوري- السعودي ان يعوض عن التوتر الأميركي ـ السوري؟
ربما يكون لبنان بحاجة إلى فترة انتظار تمد إلى نهاية العام ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
كاتب لبناني
adm.admco@gmail.com