إذا كانت الانتخابات الأميركية الأخيرة لم تقدم شيئاً، فإنها على الأقل أعطت دَفعة محدودة للاقتصاد، حيث سجلت أرقاماً قياسية جديدة للإنفاق، مطلقة العنان لأكثر من 5 مليارات دولار من الإنفاق، وتضخم إجمالي الإنفاق نتيجة الحملات الخارجية التي تمولها إلى حد كبير شركات مانحة مجهولة.

الحملة الانتخابية كان يهيمن عليها الاقتصاد المتردي، وهي القضية التي طغت على كل القضايا الأخرى في أذهان الناخبين. ولكن كما هي الحال دائماً، فقد جرفت موجه الإعلانات الهجومية أي مناقشة للأفكار أو الحلول.

والاستشاريون المحدثون يتمتعون بالمهارة في الضرب تحت الحزام والهجوم المباغت. فهم يمكنهم تلقائياً تقديم دعاية عن السيرة الذاتية لكي يجعلوا مرشحيهم يبدون كأناس عاديين. ولكنهم غير مهتمين أو بارعين في السماح للناخبين بأن يعرفوا ما يؤيده مرشح ما، بدلاً من الإشارة إلى ما يعارضه.

وهكذا فقد تكلّفت حملة الانتخابات خمسة مليارات دولار، ولكنني لم أر إعلاناً واحداً تحدّث خلاله مرشح عما سيفعل لمعالجة ارتفاع معدل الفقر في الولايات المتحدة. ولا حتى إعلان واحد بشأن أزمة من لا مأوى لهم، والتي خلّفت أعداداً متزايدة من الأسر التي يعمل عائلها دون أن يجدوا مكاناً للعيش. فقد شنت الكثير من الإعلانات ضد إنقاذ القطاع المصرفي، ولكن لا أحد تحدث عما يمكن فعله لإبقاء الناس في منازلهم.

الأطباء والاختصاصيون الاجتماعيون قلقون من أننا نلقي بجيل بأكمله من الأطفال الفقراء في الهلاك، من خلال إنزال الضرر بهم بالجوع والتشرد والأمراض التي سوف تحد من تطلعاتهم على امتداد حياتهم. ويقول خبراء الاقتصاد أن الشباب الذين يعانون من البطالة لأي فترة من الزمن لا يلحقون بركب الأرباح والخبرة والمهارات التي فاتتهم. وهذ القضايا الحاسمة لم يتم التصدي لها كذلك.

أفاد تقرير لمركز الأبحاث الأميركي «بيو» أن القيم السائدة بين الناخبين الأميركيين ظلّت مستقرة نسبيا من عهد الرئيس الأميركي السابق «ريغان» وصولاً إلى عهد الرئيس الحالي باراك أوباما.

واللافت، رغم ذلك، هو أن الأميركيين أصبحوا أقل دعماً لمساعدة الفقراء. وقد روج «ريغان» لأسطورة «ملكة الرعاية»، وألغى «غينغريتش» و«كلينتون» الرعاية، الأمر الذي خلف الأمهات الفقيرات مع أطفالهن يكافحن من أجل أنفسهن. ولكن حوالي ثلاثة أرباع الأميركيين لا يزالون يعتقد أن «الفقراء يعتمدون أكثر من اللازم على مساعدة الحكومة». وأقل من النصف (48%) يوافقون على أن «الحكومة لابد أن تهتم بالمزيد من المحتاجين، رغم أزمة الديون».

و هذا ليس بسبب الاتجاه اليميني للسكان. لقد صار الأميركيون أكثر قبولاً لمسألة العلاقات غير السوية والعلاقات العاطفية بين أطراف منتمين إلى أعراق مختلفة. وهم لا يعتقدون أن المرأة ينبغي عليها العودة إلى الأدوار التقليدية.

وأود أن أقول أن الأمر يتعلق بشكل أكبر بالحقيقة التي تفيد بأن السياسة الآن تتجاهل الفقراء أساساً. فالديمقراطيون يوجهون حملتهم لأسر الطبقة المتوسطة. والجمهوريون يدافعون عن الشركات الصغيرة، حتى أنهم يحتجون من أجل تخفيضات الضرائب المضافة، التي يستفيد منها هؤلاء الذين يكسبون أكثر من 250 ألف دولار في السنة.

وعندما قدم الرئيس أوباما ما هو أكثر الحوافز فعالية بالنسبة للاقتصاد من خلال توسيع نطاق كوبونات الغذاء، والتأمين ضد البطالة وائتمانات ضريبة الدخل، وبرنامج الرعاية الصحية لمحدودي الدخل وأكثر من ذلك، لم يتحدث عن ذلك.

و النتيجة تجعل الفقراء أكثر ضعفاً. وخلال زمن ظلم العصر الذهبي، الذي استأثر خلاله 1% من أثرياء أميركا بنحو 20% من الدخل في البلاد، يجادل الجمهوريون من أجل منح الأغنياء تخفيضات ضريبية إضافية وتخفيض 100 مليار دولار، الذي يعتبر تخفيضاً مذهلاً بنسبة 20%، من قيمة الإنفاق المحلي خلال العام المقبل. وذلك لن يأتي من الإعانات الممنوحة لشركات النفط الكبرى، أو شركات الأدوية أو شركات التأمين أو البنوك التي تدفع لحملاتهم. التخفيضات التي من المحتمل أن توجه إلى برامج لصالح الفقراء. فالأميركيون شعب أفضل من ذلك.

ومع ذلك، ففي الوقت الذي تزيد تكلفة حملاتنا بشكل أكبر، وفي الوقت الذي يتطلع المسؤولون المنتخبون إلى الشركات السرية والمانحين من الأفراد لكتابة شيكات أكبر، فإن مصالح المال تفرض اهتماما أكبر على حساب قضايا العدالة.

وفي غمار حالة اليأس من أن الحرب ضد الفقر قد منيت بخسارة لصالح الحرب في فيتنام، دعا المناضل الأميركي مارتن لوثر كينغ إلى حملة من أجل الفقراء. واليوم يعد ذلك مقارنة صارخة لحملات الأثرياء، وهي ما صارت انتخاباتنا إليه.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية