سيظل التعليم هو السبيل الوحيد إن لم يكن الأوحد لتقدم الشعوب وانتقالها من حال إلى حال. فإذا أردت أن ترتقي بأمة فابنِ جامعة وإذا أردت أن تغلق بابا من أبواب الانحراف في وجه الشباب ينجرف بهم إلى غياهب الضياع والسقوط، فافتح لهم باب جامعة يغذي عقولهم وينمي مهاراتهم ويلهب إرادتهم بسياط الرغبة في النجاح وتحقيق الذات، وإذا أردت أن تعمر مكان هجره الناس وزهدوا في الإقامة فيه فأقم فيه جامعة تهوي إليها أفئدة محبي العلم وطلابه.

فكم من مدن في عالمنا العربي كانت الإقامة بها محالة والذهاب إليها عقابا إلا عندما أنشئت بها جامعة، وكم من مدن عالمية لم يكن لاسمها ذكر صارت معلما يقصده الناس كونها تضم جامعة بين أرجائها.

ومن فضل الله علينا أن قيض لدولتنا رجالا قادوا المسيرة التعليمية بصبر ودأب وإرادة مع إدراك لطبيعة العصر ومتطلباته أمثال معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الذي عهدناه يتحدث قليلا لكنه ينجز الكثير. فقد استطاع خلال فترة قياسية أن ينتقل بالتعليم الجامعي في الدولة إلى مراتب فاقت دولا في المنطقة العربية لها تاريخ عريق في التعليم الجامعي، علاوة على حضوره الدائم والمؤثر لمشاركة أبنائه الطلبة مختلف المناشط والفعاليات مهما كان انشغاله وضيق وقته.

إن تجربتنا التعليمية سواء كانت في الجامعات الحكومية أو الخاصة وما حققته من قفزات نوعية جعلت منها نموذجا تنقل عنه مختلف دول المنطقة. ولست أتحدث هذا الحديث بشكل مرسل دون أسانيد أو حجج ولكن بدراسة متأنية للمنتسبين إلى الجامعات في دولتنا نجد أن الإمارات باتت قبلة لراغبي العلم ومنارة لإشعاع المعرفة ليس في المنطقة العربية وحدها بل جوارها الإقليمي، وحققت سمعة طيبة في هذا المجال. ولاشك أن ذلك لم يكن ليحدث لولا وجود انضباط مؤسسي قائم على فكر واعٍ يدرك واقعنا واحتياجاته ويستشعر التحديات التي تواجهنا في الوقت الذي يستشرف آفاق المستقبل من حيث المهارات الواجب توافرها في خريج لم يعد مجال المنافسة مقتصرا على السوق المحلي ولكن في عالم تكسرت جدرانه وانفتحت سماواته أصبحت المنافسة عالمية والأكفأ يحصل على فرصته في أي مجال من مجالات العمل أو التخصص.

من هنا كانت آليات الضبط التي استحدثتها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي من خلال هيئة الاعتماد الأكاديمي أحد أهم العوامل التي ساعدت على نجاح المنظومة التعليمية في الدولة.

حيث إن الهيئة تتعامل بمعايير احترافية شديدة الصرامة نتضجر منها أحيانا وترهقنا كثيرا إلا أنك لا تملك في نهاية المطاف وبعد أن ترى ثمرة العمل وحصاده إلا أن تحترم نهجها وتتيقن أن ما تقوم به هو عين الحقيقة على المدى البعيد، ومن يعش وسط الميدان التعليمي يدرك الفرق بين مخرجات المؤسسات التعليمية التي استطاعت أن تتطابق ورؤية الهيئة وتتبع قواعدها وبين غيرها.

إن كل منصف يدرك أن هيئة الاعتماد الأكاديمي باتت احد أهم جوانب التميز في المنظومة التعليمية والتي انعكس تميزها على تميز المؤسسات الجامعية نفسها باعتبارها مرجعا يعمل ضمن شروط معيارية ومقاييس دولية جنبت مؤسساتنا التعليمية خطورة الانزلاق في أتون العشوائية والتخبط في إطار وضع ضوابط موحدة من القواعد الأساسية مع مرونة تحفظ حرية الحركة حسب طبيعة كل مؤسسة بما لا يؤثر على الهدف الكلي مستعينة بالخبراء والمتخصصين الذين يحملون تجارب عقود عربيا أو عالميا.

هذه المعايير التي لم تكتف يوما بالجوانب المتعلقة بدقة التخصص ومخرجاته والمادة العلمية ومدى تطابقها مع أحدث الاتجاهات وقاعات الدراسة ومدى ملاءمتها وتوافر المعامل والمختبرات وقدراتها الاستيعابية وفقط ولكنها تعدت ذلك إلى جوانب الإبداع وبيئة التعليم ذاتها فنظرت بنفس الأهمية إلى المعايير الخاصة بصحة العلاقة بين أعضاء هيئة التدريس والطلبة من ناحية وبين بعضهم البعض من ناحية أخرى.

واسمحوا لي في هذا المقام أن أذكر إحدى تجاربنا المتعلقة بهذا الشأن في كلية الإعلام والمعلومات والعلوم الإنسانية بجامعة عجمان حيث اعتدنا في كل يوم الساعة الواحدة بعد الظهر أن نلتقي في جلسة ودية بأعضاء هيئة التدريس بالكلية ولمدة ساعة على فنجان من الشاي يخفف من وطأة يوم عمل به جهد كبير وإذا بهذه الجلسة غير الرسمية تتحول إلى لقاء يتطلع إليه أعضاء الهيئة التدريسية لما يحدثه من ألفة ومودة فيما بينهم،.

ولمناقشة ما يطرأ من قضايا تواجههم متعلقة بالعمل للحد الذي أغنانا عن الدعوة للعديد من الاجتماعات الرسمية وصار بعض أعضاء هيئة التدريس بكليات أخرى وأولياء أمور الطلبة يأتون إلينا إذا ما أرادوا مقابلة أحد الأساتذة.

إن الإدارة بالود هي أحد أهم الأساليب التي حرصت عليها قيادة التعليم العالي في دولتنا. ومن يعرف معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان يعرف أن مجلسه لا يمنع عنه طالب نصيحة أو صاحب حاجة هكذا سلوكه وأحد أهم جوانب تميز منظومة عمله وتفردها.

كما وان أحد أهم المعايير التي تركز عليها هيئة الاعتماد والتي ميزت جامعات دولتنا بصفة عامة وجامعة عجمان على وجه الخصوص هو الانفتاح على المجتمع المحيط بها دون الانزواء في مجال تعليمي خالص إضافة ربط النظرية بالتطبيق وان تكون البرامج التعليمية المطروحة لخدمة حالة مجتمعية والتعاون مع كافة المؤسسات ذات العلاقة والاستفادة من الخبراء في الميادين المختلفة فضلا على اتباع أحدث الطرق وأرقى التكنولوجيا في أساليب التدريس والتقييم والقائمة طويلة.

إن الأثر يدل على المسير. وكما أننا نصوب سهام النقد لجوانب الخلل من منطلق مصلحة وطننا وحرصنا على أن يحافظ على المكانة التي يحتلها ويزيد كذلك من الواجب أن نلقي الضوء على الجوانب المضيئة فيه.

ومن يرقب مسيرة التعليم العالي في دولتنا يدرك أن وراء ذلك جهداً جباراً قائماً على تخطيط علمي مدروسة أهدافه ومحددة مراميه وملموسة مخرجاته التي تدعونا لأن نفخر بها ونشد على أيدي كل من ساهموا في إنجاح مسيرتها ونطالبهم باستكمال عقد النجاح وجبر الجوانب التي مازالت تحتاج إلى جهد في مجال البحث العلمي مقياس تميز الأمم وعنوان نجاحها، والذي به تصنف الجامعات دوليا.. فطوبى لمن أسس وبنى وطوبى لمن حافظ ونمى وطوبى لمن استشعر المسؤولية وثقل المهمة وطوبى لمن أحب هذا الوطن وانشغل بهمه.

عميد كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا

Dralkhaja@gmail.com