الكتابة والقراءة هما الفعلان اللذان يطفقان كسحاب جامح أمام الإنسان، يلامسان انفعالات الروح والعقل في آن، ويتركان ظلالهما في ذاكرة لا تنطوي دون ترصد أو تعمد، ومع ذلك نجد أن البعض يجهل مدى المتعة التي تجتاح القارئ والكاتب على حد سواء لذا تستمر القطيعة مع الكتاب لدى بعض الشعوب، ويظل هذا السر الجميل مطوي لم يكشف أمام الكثير من البشر الذين يحيون ويموتون دون أن تلمس أرواحهم كتابا واحدا.

ولعل القراءة بشكل خاص تتطلب ذائقة ترقى بالبصيرة فوق النصوص المباشرة التي يمكن أن تلتهمها العين، ويظل النهم والشغف في فهم هذه النصوص وما وراءها في حاجة إلى روحانية تضعك في قلب الكلمة، وتدعك تتوحد مع ملامح الجملة، فالانفعال الذي يتولّد من لحظة الانعتاق من المبهم إلى انسيابية النص الرقراق يحلق بك إلى عوالم سحرية ملونة تقترب من كل المشاعر الإنسانية التي نكاد نفتقدها في الواقع وتنهي حالة من التبلد التي فرضت على الإنسان أن يماشيها ويتعايش معها والتي تسمى رتم العصر.

إن التجربة التي يواجهها البعض في رحلة اختيار الكتاب المناسب، قد تكون تجربة مريرة ورحلة مضنية، وقد يصفعه الواقع باليباس فلا يجد ما يروي تعطش روحه، بل قد يخال له أحيانا انه أمام الكتاب «الفلتة» لكن مع السطور الأولى يدرك خيبة أمله فيرميه بعيدا، ويتوارى عن مواجهته بدسه بين طيات الكتب كي لا يستمرئ الندم، ومع ذلك يعاود الرحلة مع فرص معارض الكتب التي تقام سنويا في مختلف الأنحاء،.

ولكن رواد المعارض يعرفون كيف يتداعون على القصعة، فدور النشر المعروفة باهتمامها بنوعية الكتب والتي لا تزال صامدة في زحف الكتاب الالكتروني، هي نفسها التي تأتي سنويا محملة بالعناوين الجديدة، والكتّاب الجدد، وبأقلام تشرع للمرة الأولى نحو مرافئ الآخرين، فيتلقفها القارئ الذي يؤمن بمشروعية المغامرة، وبالتمرد على إدمان كتّاب بعينهم.

ولكن قد تكون أيضا هذه التجربة صادمة فبعض دور النشر التي اكتسبت شهرتها من تاريخ عريق في النشر، ورفد المكتبات بمختلف الموضوعات قد تكتشف سقوطها تحت رحمة غول الانهيار الاقتصادي والأخلاقي، فتجدها تهتم بغلاف براق وبمقدمة مغرية جدا عن الكتاب، ولكن ما أن تجلس في خلوة مع الكتاب حتى تشعر بالاستغفال بخاصة وأن هذا الشيء رخيص المضمون قد كلفك كثيرا مقارنة بفحواه ولغته العصية والمنغلقة، ويظل حنقك يتزايد كلما زادت رغبتك في القراءة ولا تجد ما يطفئها.

وبنظرة على حركة دولاب الطباعة والنشر في العالم العربي يتلمس بعض المهتمين مدى التراجع الذي أصاب بعض هذه المشروعات والتي كانت بالأمس رائدة وناجحة، ومرده إلى سوط الرقابة الذي ظل يجلد كثير من هذه الدور فتكبدت خسائر جسيمة.

إضافة إلى ضعف صناعة الكتاب العربي كمشروع استثماري بعيد المدى، لذا يفاجأ الناشر أن آلاف النسخ لا تجد طريقها إلى القارئ بسبب تراجع الاهتمام بالقراءة في أمة لا تقرأ ولا تجد التشجيع على القراءة، ومع الفورة الالكترونية أصبحت أمهات الكتب متاحة للجميع في مختلف المواقع الالكترونية، مما دفع البعض إلى البحث عن بديل لصناعة الكتاب والتخلي عن هذه المهنة النبيلة التي تحمل خصوصية شديدة ورسالة عظيمة.

لذا حدثت القطيعة بين كثير من القراء وبين تلك الدور التي كانت لها «شنة ورنة» في معارض الكتب والتي أصبحت تجتر ماضيها ولا تقدم الكثير الذي يستحق لحاضرها، مما ترك جرحا نازفا في قلوب البعض الذين يظلوا يتحسرون على الأيام الخوالي.

وفي ظل خيبات صناعة الكتاب في العالم العربي، فإنك تشعر بأنك في حاجة إلى أمل يجدد نغمة الحياة التي لا تستقيم دون أن تشعر بلذة القراءة وعنفوانها، والمحافظة على بذرتها حتى لا تنطفئ الجذوة فيبددك الرماد، وتصبح مع الوقت متقولب مع ماديات الحياة ومتطلباتها فتتجرد من عاطفتك الجياشة نحو الكتاب والشغف به، لذا حين يصدف أن تجد من يقول لك بلا مباشرة فجة بأن الدنيا لا تزال بخير، تشعر بالامتنان نحوه.

وتتحول هذه اللفتة الخاصة إلى قشة الغريق التي تفتح أبواب التواصل مع أطياف الحياة المختلفة والبعيدة، فتقرب المسافات وتبتلع محيطات وانهار لتضع بين يديك حصيلة الأسفار في كتب تختصر الزمن.

ورغم ذلك تجد نفسك وأنت تقرؤها في مواجهة مع الزمن، هذا ما تفعله الآن الدار الوطنية «كلمة» التي بدأت إحياء حركة الترجمة بتبني كثير من الكتّاب المعروفين على مستوى العالم وإعادة إطلاقهم من جديد في عالمنا العربي وكأنهم طيور مهاجرة ضلّت الطريق.

ولعل القارئ لمختلف الترجمات للحكايات الشعبية العالمية والتي تبنتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث «كلمة» قد يلمس بصدق أن العالم كان قرية واحدة منذ أمد وليس بفعل ثورة الاتصال، فالحكاية الشعبية في الصين لا تختلف عن الحكاية في الخليج أو في البنغال إلا في تفاصيل الثقافة الدينية.

وان كانت متعة تسلسل الفكرة ومعالجتها واستحسانها تضعك في أجواء ممتعة للغاية، تعطر مساءات القراءة أو صباحاتها، فهذا المشروع الجميل يوصل ما انقطع، ويفسح المجال أمام القارئ للسفر إلى عوالم زمنية لم تخطر على البال بل تتملكك الدهشة لدرجة تجبرك على مواصلة القراءة حتى الرمق الأخير، ولا نملك بعدها إلا عميق الشكر «لكلمة».

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com