لن يصدر أحدث برنامج للوظائف في واشنطن من الكونغرس أو البيت الأبيض. فالفروع السياسية لأميركا كانت مجمدة بفعل انتخابات التجديد النصفي. البرنامج سوف يصدر من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وتم تصميم برنامج الوظائف التابع للمجلس من أجل إبقاء معدلات الفائدة منخفضة عن طريق ضخ المزيد من الأموال في الاقتصاد (أو ما يطلق عليه «التخفيف الكمي» على حد وصف مجلس الاحتياطي الفيدرالي). سوف يقوم المجلس بشراء المزيد من سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الديون طويلة الأجل لخفض معدلات الفائدة طويلة الأجل.
ويعتقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن المعدلات المنخفضة طويلة الأجل سوف توفر المزيد من فرص العمل لأن الشركات سوف تتوسع، وسوف تزيد الصادرات، وسوف يتمكن المستهلكون من إعادة تمويل منازلهم.
ولسوء الحظ، فإن برنامج الوظائف التابع للمجلس لن يؤتي ثماره. ولسوف يؤدي إلى فقاعة مضاربة أخرى. وتخفيض أسعار الفائدة سوف يعزز الاقتصاد في ظل الظروف العادية، عندما لا يقع المستهلكون بشكل عميق تحت وطأة الدين. ولكن لا يزال الأميركيون غارقين في ويلات الكساد الكبير. وبدون برنامج وظائف حقيقي يعيدهم مجدداً إلى سوق العمل فإن الاستدانة بتكلفة أقل لن تكون الحل.
ويقوم برنامج العمل البديل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي على ثلاثة افتراضات خاطئة. الافتراض الأول هو أن انخفاض معدلات الفائدة سيحفز المزيد من الشركات لتوسيع طاقتها وتوظيف العمال. ولكن انخفاض الفائدة لن يحفز المزيد من الشركات على التوظيف عندما لا يقوم المستهلكون بالشراء.
الشركات الأميركية لا تجد مشقة في الحصول على المال. والمؤسسات الكبيرة تمتلك 8,1 تريليون دولار من السيولة، وهي لا تستخدم هذه السيولة لإضافة وظائف لأنها تعرف أن المستهلكين الأميركيين لا يمكنهم شراء المزيد من السلع والخدمات. فهم لا يزالون مكبلين بالديون والخوف من فقدان وظائفهم. بدلاً من ذلك تستخدم الشركات هذه السيولة للتوسع في طاقتها بالخارج، أو الاندماج مع أو استحواذ حصص في شركات أخرى، وتستثمر في تكنولوجيات تستعيض بها عن العمالة.
فلو أجاز مجلس الاحتياطي الفيدرالي للمؤسسات التجارية الكبيرة الحصول على المال بتكلفة أرخص، فسوف تفعل المزيد في الإطار نفسه. إن هذه الاستراتيجيات من شأنها تعزيز الأرباح. ولكنها لا تسهم في تعزيز التوظيف في الولايات المتحدة. إذا كان لها أي تأثير، فهي تحد من الحاجة إلى العمالة الأميركية.
ثانيا، يرى مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن تخفيض معدلات الفائدة سوف يدفع الدولار إلى الانخفاض ويجعل الصادرات الأميركية أكثر قدرة على المنافسة، وأن المزيد من الصادرات سوف يوجد المزيد من فرص العمل في الولايات المتحدة. ولكن انخفاض الدولار لن يحفز صادرات أميركا بشكل أكبر. فهو سيحفز دول أخرى على خفض قيمة عملاتها. ولا توجد دولة أخرى تريد أن تفقد حصص التصدير للولايات المتحدة. وهذا سوف يزيد معدل البطالة.
إن الاقتصاد العالمي يقف بالفعل على شفا حرب عملات من هذا النوع. وفي ضوء انخفاض الدولار أخيراً، فإن نصف دزينة أخرى من دول تجارية رئيسية تدفع عملاتها إلى النزول. وأخيراً، اتفق مسؤولون ماليون من 20 دولة صناعية كبرى على تجنب تخفيض قيمة العملة الرامي إلى تحقيق التنافس.
ثالثا، يعتقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن انخفاض أسعار الفائدة سوف يضع المزيد من الأموال في حوزة المستهلكين لأن ذلك سيحفز المزيد من الأميركيين على إعادة تمويل منازلهم. وهذا سيوفر لهم المزيد من السيولة للإنفاق، ومن ثم تحفيز المزيد من فرص العمل.
ولكن معظم الأميركيين لن يكونوا قادرين على إعادة تمويل منازلهم لأن البنوك أصبحت مجبرة الآن على اتباع معايير صارمة للإقراض. فالبنوك لن تقرض الأسر التي انخفض إجمالي دخلها، والذين ما زالوا مثقلين بارتفاع الديون أو الذين يدينون بالمزيد لسداد التمويل لمنازلهم، بما يفوق القيمة التي تستحقها. وهذا يعني أن معظم الأسر لن تكون مؤهلة للحصول على إعادة التمويل.
لذا، فلو أن الأموال السهلة التي يقدمها مجلس الاحتياطي لن توفر المزيد من فرص العمل، ولن تجد طريقها إلى جيوب معظم الأميركيين، فإلى أين سيذهب المال؟ إلى فقاعة أسهم أخرى.لقد بدأت الفقاعة بالفعل. بل إن الأسهم ارتفعت رغم أن باقي قطاعات الاقتصاد لا تزال متراجعة لأن مجلس الاحتياطي يبقي بالفعل على معدلات الفائدة قرب الصفر. والمحاولة الجديدة للحد من معدلات ذات الأجل الطويل سوف يؤدي إلى تضخم الفقاعة بشكل أسرع.
ومن خلال أسعار فائدة منخفضة جداً، فإن المستثمرين لا يمكنهم الحصول على الكثير من عوائد قروضهم. لذلك فهم يقومون بتحويل المزيد من أموالهم إلى أسهم.وفي الوقت نفسه، تقترض الشركات بمعدلات قرب الصفر من أجل إعادة شراء المزيد من أسهمها. وتستخدم «وول ستريت» الأموال ذات الكلفة الرخيصة من أجل المزيد من الرهانات في سوق الأسهم.
حتى أن سوق الأسهم يشهد ارتفاعاً بالفعل استناداً إلى الأموال الرخيصة. وفي الوقت الذي يغمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الاقتصاد الأميركي بالمزيد من السيولة، فإن فقاعة سوق الأسهم سوف تتضخم. وهنا درس ينبغي استيعابه. عندما لا يستطيع نوابنا المنتخبون ولن يستطيعوا تقديم برنامج وظائف حقيقي، فإن مجلس الاحتياطي يشعر بالضغط لطرح برنامج وهمي. ولكن برنامج وظائف وهمي لن يوفر وظائف. وإنما هو يطلق فقاعة مالية فحسب. ونحن نعلم ماذا يحدث عندما تغدو فقاعات مالية كبيرة جداً.