لا يخفى على أحد المشكلة الديمغرافية التي تعاني منها روسيا، هذه المشكلة التي ينظر إليها البعض على أنها قد تشكل كارثة بالنسبة لمستقبل الدولة، حيث التناقص المستمر في عدد السكان الذي لا يصل إلى مائة وخمسين مليون نسمة على مساحة من الأرض مترامية الأطراف تشغل ما يقرب من سدس اليابس الأرضي، ومن يتخيل أن مساحة روسيا التي تقترب من 18 مليون كم مربع يسكنها هذا العدد الضئيل من السكان.
بينما الهند والصين اللتين يسكنهما ما يقرب من نصف سكان العالم لا تبلغ مساحتهما معا ثلثي مساحة روسيا، هذا الأمر في حد ذاته يشكل خطورة غير عادية على روسيا في الحاضر والمستقبل، خاصة وأن نسبة المواليد ضئيلة والوفيات كبيرة، وتشكل هذه المشكلة الديمغرافية بالنسبة لروسيا عائقا كبيرا في مجالات عدة، وعلى رأسها التنمية والإنتاج.
إذ يوجد في روسيا مساحات شاسعة من الأرض تحوي في باطنها ثروات طبيعية هائلة تحتاج إلى قوة عاملة كبيرة للعمل فيها واستخراجها، هذا في الوقت الذي يعزف فيه سكان المدن الروسية الكبيرة عن مغادرتها، ويفضلون البقاء في مدنهم مع أجور متوسطة على مغادرتها للعمل في مناطق بعيدة ولو بأضعاف الأجور، وقد كان الاتحاد السوفييتي يواجه هذه المشكلة بقرارات حاسمة وملزمة تجبر الأفراد على السفر إلى المناطق البعيدة للعمل هناك.
هناك مشكلة أخرى مرتبطة بهذه المشكلة الديمغرافية، وهي نقص عدد الخبرات والمختصين في مجالات عديدة، إذ أن العدد الموجود من هذه النوعية يعمل في بعض المناطق ولا يكفي لتغطية باقي مناطق الدولة، ومنذ فترة والجهات المختصة في الدولة تبحث عن حلول لهذه المسألة المعقدة، والحل المطروح للنقاش والأكثر واقعية هو جلب عمالة أجنبية، وقد بدأت بالفعل الحكومة في بحث وتناول قضية العمالة الوافدة، وصدر مؤخرا تصريح أدلى به رئيس الهيئة الفيدرالية للهجرة قسطنطين رومودانوفسكي.
يقول فيه أن البلاد بحاجة ماسة للقوة العاملة الأجنبية والمختصين الأجانب، وبالتالي يتعين على الدولة أن تقدم المساعدة في مجال استقدامهم خاصة لقطاعي الأعمال الصغيرة والمتوسطة، أما قطاع الأعمال الكبيرة فيستطيع سد حاجته من العمالة الأجنبية بنفسه، وأشار رومودانوفسكي إلى أن روسيا تعاني من مشكلة ديمغرافية كبيرة تتمثل بنقص السكان، ولذا لا ينبغي رفض قدوم الأجانب الراغبين بالعمل فيها، وعبر عن أمله بأن يشارك قطاع الأعمال والعلماء في مساعدة هيئة الهجرة على حل القضايا الملحة، كما أكد على أهمية استقطاب العمالة الأجنبية، وبخاصة ذات الكفاءة العالية، مبرزا أن قانون الهجرة الجديد يسهّل الإجراءات المتعلقة بقدوم المختصين الأجانب.
وهنا تبرز مشكلة أخرى حول عوامل الجذب للعمالة الأجنبية وكيفية توفيرها، خاصة وأن روسيا بطبيعتها على مدى قرابة قرن مضى لم تكن من مناطق جذب العمالة في العالم، ويرى مدير شركة «فين اكسبرتيزا» الروسية للدراسات المالية آغفان ميكائليان أن المهمة الأساسية التي تواجه روسيا تتلخص باستعادة جاذبيتها كمكان يساعد على تحقيق النجاح المهني بسرعة، ويلفت الخبير إلى أن من الصعوبة بمكان إنجاز ذلك عن طريق ضخ الأموال فقط، كما أن من العسير إقناع الأجانب بالقدوم إلى روسيا عبر سنّ بعض القوانين.
ويضيف ميكائليان أن سمعة البلاد تلعب دورا رئيسيا في هذا المجال، فلكل بلد سمعته على الساحة الدولية، وروسيا لا تزال في نظر الأجانب، خاصة المستثمرين وأصحاب الخبرات والتخصصات الحيوية، مرتعا للفساد، ومكانا تنتشر فيه الجريمة، ولذلك يرفض العديد منهم بدء أنشطتهم في ظروف صعبة كهذه، ويشاطر هذا الرأي مدير الدراسات الروسية والآسيوية في معهد الأمن العالمي الأميركي نيقولاي زلوبين الذي يقول أن العديد ممن تحدث معهم يتخوفون من عدم توافق البنية التحتية في روسيا مع الشروط التي يتطلبها العمل، ونظرا لأنهم اعتادوا العمل في شركات خاصة، فهم يخشون الوقوع في أيدي موظفي الدولة.
ناهيك عن أن أيا منهم لا يستطيع التكهن بسلوك الدولة في الحالات الصعبة. ويضيف زلوبين أن ثمة عاملا آخر يقف عائقا دون تدفق العمالة الأجنبية ذات الكفاءة العالية، وهو العقبات التي تعترض المختصين الأجانب في إيجاد عمل لأفراد أسرهم، ناهيك عن ظروف المعيشة القاسية في المدن الروسية الكبيرة بسبب المناخ والوضع البيئي ومستوى الجريمة. الخلاصة أن روسيا لديها ما يكفي من الأموال ومجالات الكسب والعمل المربح لاجتذاب العمالة الأجنبية، لكنها لا تتمتع بالسمعة المناسبة التي تعينها على ذلك.