يكثر الحديث والمؤتمرات اليوم عن حماية البيئة كأحد أهم التحديات الراهنة خاصّة فيما يتعلّق بالتلوّث الناجم عن استخدام مصادر الطاقة.
وكان الرئيس اوباما قد صرّح في شهر أبريل ـ نيسان الماضي أثناء تدفّق كميات هائلة من البترول في خليج المكسيك أن الأمر هو بمثابة سبتمبر ـ أيلول على صعيد البيئة.وعندما ندرك مدى وقع تفجير برجي مركز التجارة الدولية بنيويورك نفهم مدى الهلع الذي يمثّله التذكير بتلك الكارثة البيئية بالنسبة للإدارة الأميركية.
لقد اعترفت شركة بريتش بتروليوم آنذاك بوجود سبع نقاط تعاني من الخلل كانت قد ظهرت في الشهر الذي سبق الكارثة.وبناء على ما أثار ذلك من مخاطر لم يتوقف الحديث عن ضرورة تبنّي قواعد صارمة للأمن البيئي خلال السنوات اللاحقة. لكن هل هذا كافيا؟.
إن السؤال الحقيقي يكمن في معرفة إذا كانت مجتمعاتنا ستكون قادرة على تقليص التبعية للبترول خلال العقود القادمة. لكن توقعات الوكالة الدولية للطاقة تقول أن البترول سيبقى ،رغم الأزمة الاقتصادية الراهنة ، هو الوقود العالمي الأول حتى أفق عام 2030 .
هذا مع زيادة سنوية في الطلب العام تقارب نسبة 1 بالمئة. والاستجابة لمثل هذا الطلب تعني أن حوالي 40 بالمئة من الإنتاج النفطي سيأتي من عمليات الحفر في المياه العميقة من الآن وحتى عشر سنوات قادمة. ومن الواضح أن هذا النمط من الحفر يزداد كون أن الاحتياطي البترولي الأرضي أو في المياه قليلة العمق يتضاءل.
الخبراء يدركون أن الحفر في المياه العميقة تترتب عليه مخاطر تكنولوجية. وفي حالة منشأة «ديبووتر هوريزون» في خليج المكسيك تتم عملية ضخ البترول على عمق 1500 متر تحت سطح البحر و4500 متر عن سطح الأرض وحيث الضغط يزيد 300 مرّة عن الضغط الجوي .
ويمكن أن يصل عمق بعض الآبار إلى 3000 متر تحت سطح البحر حيث الضغط يزيد أكثر من 600 مرّة عن الضغط الجوّي. هذا يعني أن عمليات التنقيب والحفر ستزداد دقّة وصعوبة.
وما جرى في خليج المكسيك يوضّح الخطورة على البيئة التي غدت حمايتها موضوع نقاشات ومؤتمرات لا تتوقّف.ومن الواضح أن الشركات البترولية لم ترتقب اتخاذ أيّة سبل لمواجهة مثل كارثة خليج المكسيك وأن إجراءات الأمان المتعلّقة بالحفر هي متخلّفة بالقياس إلى الانجازات التكنولوجية.
وسبب هذا بسيط وهو أن كلفة عمليات الحفر تضاعفت تقريبا خلال عشر سنوات بالنسبة للمشاريع الجديدة. وهنا تُطرح مسألة المردود المالي والعلاقة بين الاستثمار وكلفة الإنتاج والأرباح المحققة.هذا يعني أن تحديات الإنتاج البترولي ليست مستقلّة عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تتمّ في إطارها.
ضمن هذا السياق يُلاحظ أن الشركات البترولية الكبرى مثل بريتش بتروليوم واكسون موبيل وروايال دوتش ـ شل وتوتال التي تهيمن على السوق توصّلت إلى تحقيق أرباح تتعاظم باستمرار .
وبالتالي قاومت جيّدا الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة،بل وأعلنت عن استثمارات جديدة.وكان التوجّه واضح نحو التنقيب في المياه العميقة وبالتالي زادت بالضرورة المخاطر على البيئة.
لا شك أن كل بلد من البلدان هو سيّد فيما يخص تحديد القواعد الخاصّة بعمليات الحفر في منطقته الاقتصادية. وفي حالة أن قرار بعض الدول اتخاذ إجراءات ملزمة حقا وصارمة وبالتالي مُكلفة للشركات البترولية الكبرى لا شيء يمنع من الاعتقاد أن هذه الشركات سوف تنقل نشاطاتها نحن مناطق أخرى أقلّ تطلّبا من حيث معايير الأمن أو غير قادرة على تطبيق القوانين والقواعد المطلوبة.
وتمكن الإشارة إلى أوضاع مقلقة من حيث المخاطر القائمة على البيئة كالتي عرفها خليج المكسيك في الربيع الماضي. وهناك مثلا حالة التلوّث المتفاقم في نيجيريا والخلل في التوازن البيئي حول بحر قزوين وغيرهما. ولعلّه من المبرر توقع كوارث جديدة في العالم تكون البيئة هي ضحيّتها الأولى.
في المحصّلة ،وكما هو الأمر بالنسبة لجميع مصادر الخطر على البيئة وليس لحالة التلّوث البترولي التي عرفها خليج المكسيك قبل أشهر، يمكن القول أن التحديات البيئية هي في صميمها تحديات سياسية . والمطلوب هو إعادة نظر حقيقية بالنظام الاقتصادي السائد.
لا يكفي التصدّي للنتائج ولكن بالأحرى للأسباب . وهذا مطروح أكثر من أي يوم مضى على مؤتمرات حماية البيئة.
رئيس تحرير المجلة الدولية والإستراتيجية مركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس