رغم أن الاقتصاد والأوضاع الداخلية في البلاد كانت هي المسألة المحورية للانتخابات النيابية في الولايات المتحدة، ورغم عدم اهتمام الناخب الأميركي بالسياسة الخارجية في ظل ظروف الأزمة المالية، إلا أنه لاشك أن نتائج هذه الانتخابات ستسفر عن عواقب على صعيد السياسة الخارجية، خاصة مع حصول الجمهوريين على الغالبية في الكونغرس الأميركي مما سيؤدي إلى تغيير جذري في لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس.
وسيمنح هذا الأمر صبغة تختلف تماماً عما هو عليه سابقاً لاجتماعات الكونغرس في المواضيع الخارجية. وسيختلف أيضاً رد فعل الكونغرس على السياسة التي يمارسها البيت الأبيض على الصعيد الخارجي.
أما فيما يتعلق بروسيا والعلاقات الروسية الأميركية فإنه بحصول الجمهوريين على الغالبية في الكونغرس فإن لجنة الشؤون الخارجية فيه سيترأسها سياسي جمهوري سيكيل النقد الحاد للرئيس أوباما في هذا الشأن، وبإمكانه أن يوجه أسئلة له حول سياسة إعادة التشغيل مع روسيا ومدى تعاونها مع أميركا في ملفي إيران وأفغانستان وغيرهما من المسائل، ولا شك أن النقد إزاء سياسة الإدارة الأميركية الحالية في المسار الروسي سيزداد.
كما سيزداد الضغط على البيت الأبيض بطلب تقديم تقرير عن السياسة المنتهجة. ولحملها على التراجع ولو بخطوات عن سياسة إعادة التشغيل مع روسيا التي كانت تمارسها على مدى الأشهر الـ 18 الماضية.
أما بالنسبة لمعاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الموقعة من الرئيسين الروسي ميدفيديف والأميركي أوباما والتي تنتظر التصديق من برلماني البلدين، فإن الكثيرين يتخوفون من الغالبية الجمهورية في الكونغرس أن تعوق هذا التصديق، ولكن الأمل في ألا يحدث هذا هو أن تتم المصادقة على هذه المعاهدة في الموعد المحدد له خلال الدورة الأخيرة للمجلس الحالي قبل تولي المجلس في قوامه الجديد صلاحياته في يناير عام 2011.
ولكن في أسوأ الأحوال إن تأجل التصديق للدورة القادمة فإنه من المتوقع أن يصادق الجمهوريون على المعاهدة، حيث إنهم لا يتعاملون مع هذه المعاهدة على أنها وثيقة سياسية تقبل الرفض أو القبول، بل يعتبرونها شأناً يطال الأمن القومي الأميركي.
والأرجح أن الجمهوريين سيقررون المصادقة على هذه المعاهدة لأنهم يحتاجون للاتفاق مع الرئيس أوباما على الإنفاق على تطوير القوات النووية، وقد صرح بعض قادة الحزب الجمهوري بهذا الشأن قائلين «سنصادق على معاهدة الأسلحة الاستراتيجية الهجومية لكننا سنقول لا إذا عرضتم علينا المصادقة على معاهدة حظر التجارب النووية».
أما بالنسبة للجوانب الأخرى في العلاقات الأميركية الروسية، وخاصة الجوانب الاقتصادية، فقد وعدت واشنطن مؤخراً بأنها ستدعم انضمام روسيا لمنظمة التجارة العالمية، ويخشى الروس أن يتلاشى هذا الوعد ولا يتحقق في ظل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، ولكن الخبير الأميركي في مجال العلاقات مع روسيا والمستشار السابق في شؤون روسيا لدى مجلس الأمن القومي الأميركي «توماس غريم» يرى أن سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لن تؤثر تأثيراً كبيراً في مسألة منظمة التجارة العالمية.
ذلك لأن الكونغرس تأثيره في المحادثات التي تجرى بهذا الشأن لا يعتبر كبيراً، لأن هذه المسألة تعود في الأساس إلى مسؤولية الحكومة والسلطة التنفيذية في كلا البلدين، ناهيك عن أن المسألة يجب حلها مع الدول الأوروبية وغيرها من الدول التي لا بد أن تختتم المحادثات الخاصة بانضمام روسيا إلى هذه المنظمة، وليس مع واشنطن وحدها».
أياً كان الأمر فإن سيطرة الغالبية الجمهورية على الكونغرس سيكون لها تأثير واضح في التعامل بين موسكو وواشنطن، وما كان يدار من أحاديث سلبية حول روسيا داخل دوائر الكونغرس، وكان الرئيس أوباما لا يعيره اهتماماً، سيتحول إلى واقع سياسي مطروح للنقاش علناً، وستسمع موسكو انتقادات الجمهوريين لها بأذنيها عالية، وسيتناولها الإعلام الأميركي ويروج لها، ولن ينبري أوباما للدفاع عن روسيا داخل الكونغرس، حيث سيكون مشغولاً لرأسه فيما سيعده له الجمهوريون من مشكلات داخلية.
رغم هذا التشاؤم فإن هناك من يرون أن شهر العسل في العلاقات الأميركية الروسية لم ينتهي بعد، وأن لدى موسكو أوراق ضغط مهمة على الجمهوريين بالتحديد، ومن أهمها حاجة حلف الناتو الملحة للمساعدات الروسية في أفغانستان، وخاصة فيما يتعلق بمسألة ترانزيت المعدات العسكرية عبر الأراضي الروسية.
وأيضاً هناك ورقة ضغط أكثر أهمية، وهي إيران، إذ أن تعنت الجمهوريين مع موسكو سيجعلها في حل من كل التزاماتها تجاه ما اتخذته من إجراءات تجاه إيران، من تأييد للعقوبات الدولية، ومن حظر تسليمها منظومة الدفاع الصاروخية (إس ـ 300) الأمر الذي يعوق كثيراً خطط واستراتيجيات واشنطن تجاه إيران.
كاتبة روسية