يكاد المرء يصدق أن حركتي فتح وحماس، قد تولدت لديهما إرادة لا رجعة فيها لمعالجة وتجاوز الانقسام الفلسطيني الحاد الذي وقع قبل ثلاثة أعوام ونصف، وأدى إلى وجود حكومتين، ونظامين سياسيين في قطاع غزة والضفة الغربية.
التصريحات التي تصدر عن مستويات المسؤولية لدى الطرفين تتسم بإيجابية مفرطة، فاللقاء الذي جرى في دمشق في الرابع والعشرين من شهر سبتمبر الماضي، نجح في التوصل إلى تفاهمات بشأن ثلاث قضايا هي قضية لجنة الانتخابات المركزية، والمحكمة الخاصة بالانتخابات، فضلاً عن موضوع منظمة التحرير الفلسطينية، ولم يتبق للمعالجة في لقاء التاسع من هذا الشهر في المكان ذاته سوى الملف الأمني.
هذا ما تقوله مصادر الطرفين، اللذين يخففان من أهمية الخلاف والتعقيدات التي تتصل بالملف المتبقي، إلى حد يبعث آمالاً بقرب التوصل إلى اتفاق مصالحة، كما جاء في تصريحات رئيس منتدى فلسطين، ورئيس لجنة المصالحة من المستقلين رجل الأعمال منيب المصري.
هكذا تبدو المسألة وكأنها حسابية أو أمنية، لا صلة لها بما يجري على الأرض من وقائع، ومقطوعة الجذور عن جملة من العوامل المؤثرة سلبياً في الوضع الفلسطيني، وأهمها العامل الإسرائيلي، الذي يقف بالمرصاد لكل محاولة تستهدف تغيير الواقع الانقسامي الذي نشأ، ويقدم لإسرائيل خدمات جليلة.
في الواقع، فإن جديداً لم يطرأ على مختلف العوامل التي تتصل بملف الانقسام والمصالحة، بما في ذلك رؤية كل من فتح وحماس لبعضهما البعض، واستعدادات الطرفين لتحقيق توافقات حقيقية تؤدي إلى إعادة بناء النظام الفلسطيني على أسس راسخة. الجديد الذي وقع، يكمن في التالي:
حركة فتح حصلت على ضوء أخضر مصري لعقد اللقاءات في دمشق، مما يلبي رغبة كل من سوريا وحماس، وبأن يحقق الطرفان فتح وحماس تفاهمات حول الملاحظات التي منعت حماس من التوقيع على الوثيقة المصرية، بما يسمح للتوقيع على الوثيقة المصرية في القاهرة، أن تؤخذ التفاهمات المشتركة عند تنفيذ الورقة المصرية.
غير أن هذا التغيير باتجاه إشراك دمشق بدور ما في عملية المصالحة لا يعني تجاوز الطرفين مصر وسوريا لما بينهما من خلافات وتناقضات عميقة إزاء جملة من الملفات بما في ذلك الملف الفلسطيني.
في كل حال، وحتى لو أن مستوى التوافق المصري السوري، كاف لإنجاز ملف الانقسام الفلسطيني، فإن ثمة عقبات كبيرة تعترض سبيل تحقيق المصالحة الفلسطينية، ربما تلخصها التشابكات العميقة التي تتصل بالملف الأمني، هذا إذا تجاهلنا كما تتجاهل الحركتان الملف السياسي الذي ينطوي بدوره على تعقيدات هائلة. رئيس وفد حركة فتح للحوار عزام الأحمد، أدلى بأكثر من تصريح متفائل بشأن إمكانية «بلورة تفاهمات فلسطينية داخلية بشأن ملاحظات فتح وحماس بخصوص موضوع الأمن، مشدداً على أن قانون الخدمة المدنية في الأجهزة الأمنية يبقى هو أساس عملها».
من جهة أخرى وفي الاتجاه الإيجابي ذاته، يصرح القيادي في حماس إسماعيل رضوان، «أن لقاء دمشق سيركز على الملف الأمني وإعادة هيكلة وبناء الأجهزة الأمنية على أسس وطنية لتكون حامية للحقوق الفلسطينية ومدافعة عنها».
على أن اللهجة الإيجابية التي تتسم بها تصريحات الطرفين لا تخفي طبيعة وعمق الخلاف، فالأحمد يتحدث عن قانون الخدمة المدنية، ورضوان يتحدث عن أسس وظيفية، وعن تغيير في العقيدة الأمنية بحيث تكون الأجهزة الأمنية حامية للحقوق، مما يستدعي وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل، كما تطالب حماس كل الوقت.
على أرضية الخلاف السياسي وفق ما يعلن الطرفان بين فتح التي تعتمد خيار المفاوضات وحركة حماس التي تعتمد خيار المقاومة، تختلف العقيدة الأمنية، بما ينجم عنه أيضاً خلاف جذري عند النظر لكيفية إعادة بناء الأجهزة الأمنية بمشاركة الطرفين.
زياد النخالة نائب أمين عام حركة الجهاد الإسلامي المقيم في دمشق يرى أنه «من الصعب الوصول إلى مصالحة فلسطينية بسبب عقبات جديدة تحول دون حصولها. يجب أن ينحصر في قطاع غزة دون أن يشمل الضفة الغربية وأن حماس لا يمكن أن تقبل بهذا الأمر لأنه قيد إسرائيلي»، خاصة وأن إسرائيل كما يقول النخالة حاضرة في أجهزة أمن السلطة وتشرف عليها ولن تقبل بوجود حماس في تلك الأجهزة.
وفي الأساس يرى النخالة «أن السلطة ووفدها المفاوض يعتبران أنه لا داعي لأية تغييرات على المستوى الأمني في الضفة، طالما أن الخلل وقع في قطاع غزة عبر سيطرة حماس». يقدم النخالة تفسيراً موضوعياً معقولاً لاستجابة حماس السريعة للحوار مع فتح، فمن وجهة نظره «لا نستطيع القول إن حركة حماس أخطأت، فطالما أن المصالحة طرحت فإن حماس لا تستطيع القول إنها ترفض هذه المصالحة».
من الواضح أن إسرائيل لن تسمح بأي حال لأفراد من حركة حماس المشاركة في الأجهزة الأمنية في الضفة، خصوصاً وأن الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن الإسرائيلية، تعمل بحرية كاملة في الضفة بخلاف الوضع في غزة. على الصعيد الميداني، سواء في الضفة أو في غزة، لا تتوفر معطيات أو مؤشرات على تغيير إيجابي يضفي مصداقية عملية على النكهة الإيجابية التي تصدر عن وسائل الإعلام بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مصالحة.
الناطق باسم المؤسسة الأمنية الفلسطينية ومفوض عام هيئة التوجيه السياسي، اللواء عدنان الضميري يضفي على الملف بعداً آخر، يعبر عن عمق الخلاف، وعمق الشكوك التي ولدتها سنوات الصراع والانقسام لدى أطرافه، ويكشف عن مدى صعوبة التوصل لاتفاق مصالحة.
ففي لقاء مع مديري الدوائر الرسمية ومديريات السلطة الفلسطينية جرى في السابع والعشرين من الشهر الماضي، اتهم الضميري الولايات المتحدة الأميركية بالعمل من أجل إشراك حركة حماس بالعملية السياسية، وذلك بعد أن قامت الحركة بإرسال عدة إشارات ووسائل إلى دول عديدة سعياً منها لأن تكون بديلاً عن القيادة الفلسطينية.
الضميري يضيف «إن الولايات المتحدة تدرس حالياً، بمساعدة دول أوروبية ومنها النرويج، إدخال حماس للمنظومة السياسية، وان الأميركيين يدرسون وضع حماس تماماً كما درسوا وضع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1990، حيث كانت الولايات المتحدة تعتبر المنظمة منظمة إرهابية تماماً كما هو حاصل الآن مع حركة حماس».
إذاك فإن حالة التفاؤل التي تثيرها تصريحات الطرفين بشأن المصالحة إنما تدخل في سياقات تكتيكية، لحظية، وتفتقر إلى النضج المطلوب لإتمام مثل هذه المصالحة التي لا شفاء للحال الفلسطيني بدون تحقيقها، أما إذا حصلت المعجزة، فإن إسرائيل لم تقل كلمتها بعد.
كاتب فلسطيني