يقود حزب البعث العربي الاشتراكي، حسب الدستور السوري، الدولة والمجتمع والجبهة الوطنية التقدمية التي تضم تسعة أحزاب سورية متحالفة.

ويعقد مؤتمره كل خمس سنوات، يرسم من خلاله استراتيجية النظام السياسي وسياسته وخطواته المقبلة، في مختلف المجالات، الداخلية والخارجية، السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وغيرها، وسواء كان مؤتمر الحزب هو الذي يقرر هذه الإستراتيجية وتلك السياسات أم كان هناك جهات أخرى هي التي ترسمها، فإن مؤتمر الحزب يشكل وسيلة شرعية وهامة ورسمية لمناقشة هذه السياسات وإقرارها بصيغتها النهائية.

حيث من المفروض أن تتولى أجهزة السلطة والدولة تنفيذها، وهي لا تستطيع تعديلها أو تنحيتها جانباً أو تجاهلها بدون قرار من المؤتمر، وهذا ما جعل السوريين ينتظرون قرارات المؤتمر ويتوقعون تغييرات بالمناصب السياسية والقيادية، سواء في الحكومة أم في قيادة الحزب أم في المناصب العليا في الإدارة بعد المؤتمر.

لكنهم لاحظوا في مؤتمري الحزب الأخيرين، اتخاذ قرارات هامة وجذرية وجريئة، لكن القيادة المنتخبة أو الحكومة أو أهل الحل والعقد تجاهلت هذه القرارات ولم تعمد لتنفيذها كلياً أو جزئياً، أو أنها نفذتها انتقائياً، مما أدى إلى فتور حماسهم للمؤتمرات، وتراجع آمالهم بالتغيير الواسع والعميق، ولكن دون أن يفقدوا الأمل من هذه المؤتمرات ومن فاعليتها.

كان من المفروض أن يعقد حزب البعث مؤتمره الحادي عشر في يونيو أو يوليو الماضيين، لكن المؤتمر لم ينعقد، ولم تعلن قيادة الحزب تأجيله، ولم تلق الأوساط السياسية والإعلامية أي ضوء على المؤتمر لا سلباً ولا إيجاباً، وزاد البلبلة والحيرة أن رئيس الجمهورية أجرى بعض التعديلات الوزارية التي جعلت السوريين يعتقدون أنه لو كان عقد المؤتمر قريباً لتم تأجيل هذه التعديلات لما بعد انتهائه، إلا أن إحدى مواقع الصحف الخاصة على شبكة الإنترنت.

وهي صحيفة مقربة جداً من السلطة، نشرت الأسبوع الماضي خبراً يقول إن المؤتمر سينعقد في مطلع العام القادم، تبعها بعد يومين تصريحات لرئيس الجمهورية تشير للمؤتمر وتؤكد الحرص على التشديد في شروط عضويته.

وكانت هذه أول إشارة لقرب عقد المؤتمر. ويبدو أن الاستعدادات بدأت بالفعل، من خلال الإعداد لانتخابات القيادات الحزبية الدنيا وانتخاب أعضاء المؤتمر.

في مؤتمر حزب البعث القطري العاشر الذي عقد عام 2005، كانت سوريا تواجه صعوبات عديدة وخطيرة، فكانت قد سحبت مضطرة قواتها العسكرية من لبنان قبل شهرين من عقد المؤتمر، وبدأت تواجه تهماً تتعلق باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وتتعرض لبوادر عقوبات وحصار من الولايات المتحدة الأميركية التي كان تواجدها العسكري في العراق يشكل تهديداً كبيراً لسوريا، وتلقى جفاء من دول الاتحاد الأوروبي، ومن بعض البلدان العربية، وكان الحراك السياسي الداخلي (المعارضة) فيها مازال فعالاً.

وفي هذه الظروف، وربما بسببها اتخذ المؤتمر قرارات بالإجماع في غاية الأهمية، توافق عليها أعضاء المؤتمر، والقيادة، وأهل الحل والعقد، والسلطات جميعها، رغم جذريتها وخطورتها ودورها المحتمل في تغيير مسار السياسة السورية الداخلية على الأقل، ومن أهم تلك القرارات:

إصدار قانون الأحزاب الذي ينظم الحياة الحزبية في سوريا (مما يسمح بتأسيس الأحزاب، وتنظيم نشاطها وإصدار صحفها، وافتتاح مقرات لها، ولعب دورها الطبيعي والتقليدي في الحوار والرقابة وتفعيل الحياة السياسية والاجتماعية وغيرها) .

وإصدار قانون جديد للمطبوعات (يسمح بإصدار الصحف والمطبوعات، وتوسيع هامش الحرية، ويمنع الحكم على الصحافيين بالسجن، ويؤهل الصحافة كي تراقب الحكومة وتنفيذ سياساتها، وتراقب أجهزة الدولة وإداراتها، أي تقوم بواجبها التقليدي الذي عادة ما يناط بها).

وكذلك تعديل قوانين الطوارئ والأحكام العرفية، بهدف (تخفيف وطأتها، ومنع التوقيف بدون قرار من النائب العام، وإحالة المتهم إلى المحكمة، وتخفيف إجراءات المنع على التجمع والاجتماع، والنشاط الثقافي والسياسي.. وغيرها) كما اتخذ المؤتمر في المجال الاقتصادي قراراً كان له أثر بعيد فيما بعد في الاقتصاد السوري وفي حياة الناس، وهو بدء العمل بنظام اقتصاد السوق الاجتماعي.

من الملاحظ أن هذه القرارات ذات أهمية استراتيجية، كان من شأن تنفيذها رسم سياسات سورية داخليةجديدة، ذات علاقة بالأحزاب والقوى والتيارات السياسية والصحافة والمجتمع المدني، وبالمواطن والسلطة والدولة، بما لم يكن موجوداً منذ تولى حزب البعث السلطة عام 1963.

وبما يجعل النظام السوري رائداً في مجالات الحريات والديمقراطية والتعددية وغيرها، ولكن لم ينفذ من هذه القرارات أي قرار، لا جزئياً ولا كلياً، ولم يجر أي تعديل على الحال القائم، باستثناء تطبيق قرار واحد تطبيقاً شاملاً بأكثر مما توقع المؤتمر وهو قرار (اقتصاد السوق الاجتماعي).

فقد طبقته الحكومة بدون تحفظ بعد أن حذفت منه (الاجتماعي) وحولت الاقتصاد السوري إلى اقتصاد سوق رأسمالي كلياً، وألغت حماية الصناعة الوطنية والمنتجات الوطنية، وفتحت أبواب الاستيراد من كل مكان، ورافق ذلك نمو فئة من الأغنياء الجدد، اغتنوا ويغتنون من الصفقات، والتهرب الضريبي.

وولغوا في الرشا والفساد، وسطوا على أموال الدولة وملكياتها وحقوقها، وهم باختصار (لا يحللون ولا يحرمون)، مما كان جميعه محط انتقاد عنيف من معظم فئات الشعب السوري ووسائل الإعلام السورية (الرسمية والخاصة) وقواعد حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية.

لعل عدم تطبيق مقررات المؤتمر القطري الأخير لحزب البعث، وتغّول سياسة اقتصاد السوق، وزيادة الفساد، هي التي كانت سبب التأخير في عقد المؤتمر الحادي عشر في وقته، حيث أن قيادة الحزب وأصحاب الشأن مضطرون لتقديم مبررات للتقصير وتصورات للمرحلة المقبلة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org