على مر التاريخ ظهر على الساحة الدولية العديد من الدول التي احتلت مكانة القوة العظمى، وذلك منذ دولتي الفرس والروم، وممالك بيزنطة واليونان القديمة وروما وغيرها، مرورا بالعصور الوسطى ووصولا للفتوحات البحرية التي تنافست عليها أسبانيا والبرتغال، وصولا إلى الإمبراطوريتين الاستعماريتين الفرنسية والبريطانية، ثم آخر القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وجاء انفراد الولايات المتحدة على الساحة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ليطرح مشروع القطب الأوحد، هذا المشروع الذي آمن به الكثيرون وروجوا له ودعمته آلة الإعلام الأميركية والغربية المهيمنة على الساحة الدولية.
لكنه أصبح الآن محل شك كبير، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وانطلاق الحملة الأميركية على ما أسمته واشنطن بـ «الإرهاب الدولي»، هذه الحملة التي أدت إلى تراجع مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية نتيجة السياسات الأحادية التي اتخذتها في العراق وأفغانستان وجرت معها حلفاءها لمستنقعات جلبت عليهم الكثير من المشاكل داخليا وخارجيا، وخلال سبعة أعوام من الفشل المتواصل لهذه الحملة الأميركية دار الجدل واحتدم حول مشروع القطب الأوحد الذي أيقن الكثيرون أنه لا يصلح للمجتمع الدولي.
وأنه لابد من ثنائية أو تعددية الأقطاب، خاصة بعد أن ضربت واشنطن عرض الحائط بأسس ومعايير الشرعية الدولية وحطت كثيرا من شأن الأمم المتحدة واستخدمت نفوذها لتوجيه المؤسسات الدولية لخدمة مصالحها ودعم حملاتها العسكرية ذات الأهداف الوهمية ضد الأعداء الوهميين. وجاءت الأزمة المالية العالمية لتكرس أطروحة تراجع القطب الأوحد، مما طرح الحديث والجدل حول أقطاب أخرى تنافس القطب الأميركي أو حتى تعزله عن عرشه وتحتل هي مكانه.
في وسط هذا الجدل شغل العملاق الصيني حيزا كبيرا نظرا للطفرة الإنتاجية الاقتصادية التي حققها خلال السنوات العشر الماضية والتي وضعته في مكانة ضمن أكبر ثلاثة اقتصادات في العالم مع الولايات المتحدة واليابان، كما دار الجدل أيضا حول صعود العملاق الاسيوي الهندي كقوة جديدة على الساحة، وكذلك العملاق الألماني بعد سقوط جدار برلين، والذي يشكل أكبر اقتصاد في القارة الأوروبية.
ووسط هذا الجدل يدور أيضا الحديث عن عودة روسيا القوية للساحة الدولية مع بداية الألفية الثالثة ووصول الشاب الوطني فلاديمير بوتين للحكم في الكريملين، هذا الشاب الذي تربى في عقر دار المؤسسة السوفييتية داخل جهاز استخباراتها (كي جي بي)، ولديه يقين شبه قاطع بأن روسيا لا تصلح إلا أن تكون دولة عظمى، ولا يجوز أن تكون دولة عادية، حتى لو كانت غنية.
روسيا رغم ثرائها بالموارد الطبيعية من نفط وغاز وغيرها، إلا أن اقتصادها لا يعد ضمن الاقتصادات العشرة الأولى في العالم، فهو حسب التقييم الدولي يتراوح بين المركزين الرابع والخامس عشر، وليس من المتوقع أن يدخل في المستقبل المنظور ضمن العشرة الأوائل، فهل يعوق هذا احتلال روسيا موقع الدولة العظمى؟
حسب أراء الخبراء فإن مفهوم الدولة العظمى لا تحدده القوة الاقتصادية، بل يرى البعض، على العكس، أن القوة الاقتصادية كثيراً ما تشكل عائقا دون وصول الدولة لمكانة القوة العظمى، والولايات المتحدة الأميركية صاحبة أكبر اقتصاد في العالم حققت مكانتها العظمى قبل أن يكتسب اقتصادها هذا الحجم العملاق، بل أن قوتها العظمى هي التي ساعدت على احتلال اقتصادها هذه المكانة وليس العكس.
ولو كان الاقتصاد هو العامل الأساسي لحازت دولة مثل اليابان صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم مكانة الدولة العظمى بسهولة، لكنها بقت باقتصادها العملاق بعيدة تماما عن أي تأثير أو فاعلية سياسية على الساحة الدولية، ولا تطمح اليابان لشغل مقعد دائم في مجلس الأمن الدولي في حالة زيادة أعضائه الدائمين.
بينما تطمح لذلك دولا أضعف منها اقتصاديا بكثير مثل الهند والبرازيل، وكذلك ألمانيا صاحبة أكبر اقتصاد في أوروبا لم تستطع أن تحقق أية مكانة سياسية مؤثرة حتى داخل القارة الأوروبية، ووصفتها واشنطن هي وفرنسا بـ «عواجيز أوروبا».
أما العملاق الصيني وروسيا فالجدل حولهما كثير، وسنتحدث عنهما المرة القادمة.