المبادرة التي أطلقتها المملكة العربية السعودية مؤخراً بدعوة الفرقاء العراقيين للحضور إلى الرياض بعد موسم الحج مباشرة للمساعدة على التوصل إلى حل لأزمة تشكيل الحكومة العراقية تحت مظلة الجامعة العربية ورعاية السعودية قد فاجأت الكثيرين بسبب عدم توافر مقدمات لها. وقد لقيت هذه المبادرة فور الإعلان عنها ترحيباً كبيراً من لدن عدد من الدول العربية ومن قبل الجامعة العربية.

والحقيقة أن هذه المبادرة لا يمكن اعتبارها الأولى من نوعها التي تأتي من خارج العملية السياسية بالعراق بغية إخراجه من محنته. فمنذ الإعلان عن نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة بادرت إيران في توظيف جميع طاقاتها، بشكل غير معلن، لترتيب البيت السياسي العراقي وفق ما تتطلبه مصالحها، كما حرصت الولايات المتحدة، هي الأخرى، على أن يكون للمساتها دور في صناعة هذا البيت عبر الزيارات المتكررة لنائب الرئيس الأميركي أو وزيرة الخارجية الأميركية أو مسؤولين أميركيين كبار آخرين.

إلا أن ما يميز المبادرة السعودية، من خلال التفاصيل التي أعلن عنها وزير الخارجية السعودي، هو أنها لم تطرح رؤية معينة لمستقبل المشهد السياسي العراقي مما قد يعتبره هذا الطرف أو ذاك تدخلاً في الشأن العراقي، وإنما عرضت على الفرقاء العراقيين مسرحاً للحوار بعيداً عن تأثيرات الأجواء، غير المنظورة، التي يتركها المكان عادة في القرارات التي تتخذ، وهذا المسرح هو عاصمة المملكة الرياض.

ولدينا أمثلة كثيرة على ما للمكان ومن يرعاه من تأثيرات في تسهيل حل العقد السياسية المعقدة، منها أن الفرقاء اللبنانيين لم يجدوا في عاصمتهم بيروت أو في غيرها من المدن اللبنانية ما يساعدهم على تجاوز أزماتهم الحادة بعد سنوات مريرة من الحرب الأهلية كما وجدوا في مدينة الطائف السعودية التي انبثق عنها الاتفاق المعروف باسمها في ثمانينيات القرن المنصرم.

ما تسرب من معلومات حول الأجواء التي طرحت فيها هذه المبادرة يدعو للتأمل فهي قد جاءت فعلاً مفاجئة إذ لم يتم التشاور بشأنها مع دول يهمها مسار الأحداث في العراق لأسباب تتعلق بأمنها القومي.

فالسعودية في مبادرتها هذه تسعى بكل تأكيد لتعزيز حضورها القوي في منطقة الشرق الأوسط عبر مبارزة الدور الإيراني المتصاعد والأكثر حضوراً في لبنان والعراق، إلا أنها خطت خطوة غريبة، إلى حد ما، عن تقاليد سياساتها الخارجية التي اعتادت على اتخاذ خطوات محسوبة بدقة مستوخية التأني والحذر في طروحاتها لضمان نجاح خطواتها، فاحتمالات فشل هذه المبادرة، في ضوء معادلات التوازنات السياسية بالعراق، كبير للغاية.

أما على مستوى الداخل العراقي فقد تراوحت ردود الفعل بين مرحب بها وبين رافض لها، فقد رحبت بها قيادات الكتلة العراقية وقيادات المجلس الأعلى الإسلامي في حين أعربت دولة القانون والتحالف الكردستاني عن اعتذارهما عن القبول بها بأسلوب فيه الكثير من الذائقة الدبلوماسية على الرغم من أن بعض القيادات التي تنتمي لدولة القانون قد هاجمت المملكة العربية السعودية بعنف متهمة إياها بعدم الحيادية في مواقفها إزاء الكتل السياسية المختلفة واتهامها بالقيام بدور سلبي بالعراق منذ سقوط النظام السابق من منطلق طائفي.

وترى هذه القيادات بأن هذه المبادرة ستزيد الطين بلة، وتعمل على تعميق حدة الخلافات بين الأطراف السياسية العراقية.

التأييد والرفض من قبل الفرقاء العراقيين قد تأتى بسبب الاختلاف في الرؤى والنوايا والأهداف، فالمؤيدون لهذه المبادرة يرون بأن المملكة العربية السعودية حريصة فعلاً على استقرار العراق في إطار النظام العربي القائم، أما الرافضون لها فيرون عكس ذلك من منطلق التشكيك بالنوايا السعودية.

ولمزيد من التفصيل في هذه الناحية الأساسية يرى المؤيدون للمبادرة السعودية بأن العملية السياسية التي تجري بالعراق لا تخلو من أطر أيديولوجية تتجه ناحية الابتعاد عن العالم العربي والاقتراب من إيران، وفي هذا مخاطر كبيرة على مستقبل العراق ووحدة شعبه، فسيادة ثقافة الولاء للطائفة على ثقافة الولاء للأمة يؤدي إلى شرذمة الشعب العراقي.

في حين يرى رافضوها بأن هذه المبادرة قد جاءت بمثابة خطوة استباقية لغرض الإجهاز على صفقة سياسية أوشكت على النضوج بين التحالف الوطني والتحالف الكردستاني تتيح لرئيس الوزراء المنتهية ولايته الاستمرار لدورة وزارية قادمة وتتيح للأكراد الاحتفاظ بما حصلوا عليه من مكتسبات، والحصول على معظم مطالبهم التسعة عشر التي سطروها في ورقة الشروط التفاوضية التي قدموها خاصة ما يتعلق منها بمحافظة كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها.

الفرقاء العراقيون على مفترق الطرق، خلافاتهم على مدى الأشهر الثمانية المنصرمة قد أدخلت العراق بأزمة خطيرة لا يستبعد أن تنتقل، إن استمرت، من مكاتبهم العاجية في المنطقة الخضراء إلى الشارع المحبط لتأخذ أبعاداً لا تحمد عقباها. وقد شهدنا قبل أيام مأساة كنيسة سيدة النجاة وما أعقبها من انهيار أمني في العاصمة بغداد حيث سقط المئات بين قتيل وجريح.

في ضوء هذا الفشل الذريع ليس من الحكمة رفض المبادرة السعودية بحجة رفض تدويل القضية العراقية، فهذه القضية مدولة أصلاً منذ عام 1991 خاصة وأن الولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى قد فشلتا في فرض رؤاهما على العراقيين على مدى الأشهر المنصرمة.

أما رفضها من منطلق تعارضها مع مبادرة رئيس إقليم كردستان فهو أمر غير واقعي فلا يمكن اعتبار ما عرضه رئيس إقليم كردستان من استضافة الوفود المفاوضة في أربيل مبادرة وذلك لأن رئيس الإقليم نفسه جزء من العملية السياسية المعقدة وليس حيادياً يقف خارجها.

أبرز إيجابيات هذه المبادرة هو أنها تخرج العراق من عزلته العربية وذلك لأن الحكومة التي ستنبثق عنها تكون قد حصلت على الشرعية في اطار النظام العربي، على الرغم من التحفظات الكثيرة على هذا النظام، مما يمهد السبيل لإعادة النظر بموقف الدول العربية من النظام الذي انبثق في العراق نتيجة الاحتلال الأميركي.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae