هناك، في مطارِحَ قَصيٍّةٍ في مداركِنا وذاكراتِنا، يُقيمُ شخصٌ اسمُه عباس بن فرناس، قيل لنا في دروسِ الابتدائيّةِ إنّه، قبل أزيدَ من ألفٍ ومئةٍ وستين عاماً، كَسا نفسَهُ بالرّيش، ومدَّ على يديهِ جناحينِ على وزنٍ وتقديرٍ معلوميْن، ومِنْ على ربْوةٍ عالِيةٍ في قرطبة، اندفعَ في الهواءِ طائراً، وحلّقَ فيه، وعلى بُعْدِ مسافةٍ وقع.
لم يُقَلْ لنا، وكُنّا تلاميذَ ذوي مُخيّلاتٍ غضَّة، إنَّ ابن فرناس كان فيلسوفاً وشاعراً وموسيقياً وصاحبَ حكمةٍ ومخترعاً، وإنّ ناساً شهدوا ضدّهُ في محاكَمةٍ لهُ على ما اتُّهمَ بهِ من زندقةٍ وكفرٍ و«إتيانٍ لخوارقِ الشيطان»، إلا أنّه بُرِّئ.
لم يكن ذلك مُهمّاً أمامَ صنيعِه الأَشهر، أي محاولتِه الطيرانَ، والتي كانت ستنْجح، ربّما، لو أَعدَّ لنفسِه ذيلاً من خشبٍ أو غيرِه، وهو ما تنبَّهَ إليهِ لاحقاً صُنّاعُ الطائراتِ التي نعرفُ ونركَب، لمّا أيْقنوا أنّهُ لا بدَّ من ذيلٍ للطائرةِ حتى تطير.
ولذلك، أفادَتْهم التجربةُ التي بادَرَ إليها أبو القاسم عباس بن فرناس، وإنْ سبقتْها أسطورةُ اليونانيِّ أوكاريوس، وموجزُها أنّه، من وَجْدِه ووالدِه بالحريّة، وهما في قلعةٍ حُبسا فيها، صنعا لكلٍّ منهما جناحينِ من ريشٍ ألصقاهُ على بدنيْهِما بالشَّمع.
فطارا من حيثُ هما مسجونان، وحلّقا، وأفرَطَ أوكاريوس في ذلك، على الرغمِ من نُصْحِ والدِه لهُ بألا يفعل، حتى لا يسيحَ الشمعُ من حرارةِ الشمس، إذا ما زادَ في الطيرانِ والعلوِّ فيه، لكنّها أشواقُه إلى الحريّةِ جعلتهُ يزيدُ ويزيد، إلى أنْ ساحَ الشمعُ،.. وسقطَ أوكاريوس.
لنا، نحنُ المسلمين، إذنْ، إسهامٌ مؤسِّسٌ في صناعةِ الطائراتِ التي تُيَسِّرُ انتقالاتِنا في الأرض، يؤشِّرُ إليه حلمُ الأندلسيِّ العتيق عباس بن فرناس في الارتحالِ طيراناً من مطرحٍ إلى آخر.
ولذلك، يَحْسُنُ أنْ نُشْهِرَ، ونحنُ في غضونِ القرن الحادي والعشرين، اعتذاراً إليه، بسببِ الذين ينتسبون إلينا، عروبةً وإسلاماً، ويحاولون قتلَ الناس في الطائراتِ الطائرة، بطرودٍ مُلَغَّمَةٍ هذه المرّة.
بعد أنْ كانَ أَنفارٌ منّا قد حوّلوا أربعَ طائراتٍ طائرةً في أميركا إلى قذائفَ ساقت بشراً كثيرين إلى حتفِهم، في واقعةٍ لا تُيسِّرُ شهرتُها مناسبةً للتذكيرِ بفيلسوفِنا ابن فرناس الذي استأنَفَ العقلُ البشريُّ تجربتَه الحالمة تلك، حتى وصلَ إلى الوداعةِ في الطائراتِ الراهنة، وإلى المهابةِ والفخامةِ في بعضِها وقد تجاوزتا حدودَ الخيال.
وازى هذا المُنجزَ الإنسانيَّ البديع، في غيرِ مرّة، شرٌّ مقيتٌ في تفجيراتٍ بقنابلَ وغيرِها استهدفت طائراتٍ كانت تحملُ ناساً كثيرين راحوا قتلاً.كانَ يمكنُ للطرديْنِ المفخَّخيْنِ اللذين ضُبطا في دبي ولندن أن ينفجرا في طائرتيْنِ في الجو، فيقتلا ناساً لا يعرفُهم ذوو العمى البائس الذين دبَّروا شَحنَهما.
أرادَ أولئك الخفافيشُ في غرضِهم الأسودِ أنْ «يُجاهِدوا» ضدَّ أميركا والغرب في هذه الفعلةِ الشنيعة، بدعاوى لا تسميةَ لها غير أنَّها إرهاب، ولا صلةَ لها بالإسلامِ الذي كانَ من أهلِهِ شخصٌ اسمُه عباس بن فرناس، لا شَطَطَ في التأشيرِ هنا إلى عظيمِ الأهميّةِ لمحاولتِه الفريدة، يومَ أشعلت قريحتُهُ رهاناً لدى الإنسانِ على عبورِ المستحيل، فيتجاوزَ المسافاتِ في الأرضِ في دقائقَ وساعاتٍ في الجو.
لا نظنُّ أنَّ الذين صنعوا ذينكَ الطرديْن، وتمكنّوا في صنعاءَ من تسريبِهما في تينكَ الطائرتين، بغرضِ أن يُقْتلَ من سيُقتلُ كيفما اتفق، لا نظنُّ أنَّ عباس بن فرناس خطرَ ببالِ أحدٍ منهم يوماً..
لينْشطَ أهلُ المسؤوليةِ بالأمن، حماهُم الله، في سعيهِم المحمودِ إلى أنْ ينكشفَ كلُّ هؤلاء، أينما اختبأوا وفي أيِّ كهوفٍ مكثوا، لننجوَ بإذنِ الله من شَرِّهِم. وليُتْركْ لنا أنْ نعتذرَ لرجلٍ تَغْشانا غِبطةٌ وفيرةٌ عندما نستعيدُ ما قيلَ لنا في يومٍ بعيدٍ عنهُ إنّهُ طارَ بجناحينِ من ريشٍ كَسا نفسَه بهما،.. ثم وقع.