لا أحد من بين الذين تابعوا الموجة الأخيرة للمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية كان مطمئناً لمآلها. الكل بمن فيهم الملتقون في الغرف المغلقة لمنتجع شرم الشيخ كانوا كمن يمضي بحذر إلى لعبة حظ. ولعل قراءة افتراضية لسيكولوجية المتفاوضين. كانت لتفصح لنا عن شعور أكيد لدى هؤلاء بما لا أمل منه من اللقاء.
أما لماذا اندفع الجميع نحو التفاوض، مع علمهم بمشقة الرحلة، وربما باستحالة تحقيق غاياتها المعلنة، فهذا أمرٌ غالباً ما يدخله المحللون في سياق الدبلوماسية الوقائية التي أخذت بها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على صعيد المنطقة ككل.
بل يمكن القول، إن الاستدعاء الأميركي إلى التفاوض هو في حقيقته أحد ضروب الدبلوماسية المشار إليها، وإن كان في بعض حسابات الرئيس أوباما ما يحمله على التفاؤل، ولو من قبيل ممارسة لعبة الحظ.
ما نسبة الواقعية في مثل هذا الكلام؟
لقد بدأت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية على أرض جرداء ثم انتهت إلى مستنقع الخيبة المفتوح. ذلك ما وجدناه كتوصيف يمكن أن يوضع كعنوان إجمالي للذي جرى ويجري منذ انصرام قمة شرم الشيخ.
لعل أول ما يستدعي مثل هذا الكلام هو غياب عنصر الإجماع الذي يفترض بكلٍّ من فريقي التفاوض أن يحظى به، لكي يكون لسعيهما قابلية النجاح. فالتفاوض كمبدأ يوجب الحد الأدنى من الانسجام والتوافق والوحدة في قيادة كلٍّ من الفريقين. وهذا ما لم نجده، لا على جبهة التفاوض الفلسطيني، ولا لدى الفريق الإسرائيلي الذي يقوده بنيامين نتنياهو. التصدع على الجبهة الفلسطينية واضح بلا ريب.
ولذلك كان الحديث عن منجز سياسي وفق رؤية السلطة، ولا سيما لجهة قضايا الوضع النهائي (المستوطنات، والقدس، وحق العودة) هو أشبه بمراهنة على أحصنة تسابق المجهول. أما على الجبهة الإسرائيلية، فلم يتعدّ الأمر خطوط المستحيل. فهذه الجبهة فضلاً عن كونها غير مهيأة موضوعياً لاستيلاء تسوية وسط الشروط الرمادية التي تحكم نظام الأمن الإقليمي، فإن حكومة نتنياهو هي أصلاً غير جادة في تسهيل تلك الولادة.
ذلك عنى في الواقع، أن كِلَا الفريقين الفلسطيني والإسرائيلي دخلا في منطقة فراغ ليس فيها ما يمكن أن يُتكأ عليه لتحقيق إنجاز سياسي ما، أو حتى لِبَثّ الحيوية في مسار تُحاصرُهُ الجدران الصلبة من كل جانب. فما دام نتنياهو المهجوس بأثقال الشركاء وأهوائهم المتناقضة، وخصوصاً وزراء «العمل» و«كاديما» و«إسرائيل بيتنا»، فقد كان بديهياً ظهور عجزه عن تقديم فسحة ولو يسيرة من شأنها استنقاذ المفاوضات من الفشل. ذلك ما حصل بالفعل.
فلقد جاء نتنياهو إلى شرم الشيخ وهواجسه معلقة على مصير حكومة تترنح تحت التهديد فيما لو أقدم على خطوة تمس قدسية الاستيطان، أو مصير القدس، أو قضية اللاجئين. في الحيّز الفلسطيني الذي يبدو مفاوضه مقصوص الجناح أكثر من أي يوم سبق، فلم يكن يتوقع سوى الأمل بوعود أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما، بأن تسفر المفاوضات عن اتفاق ولو بالأحرف الأولى على دولتين متجاورتين، إسرائيلية وفلسطينية.
الذي انتهت إليه المفاوضات، يدلّ من غير شك، على استعصاء يستحيل حلحلته في الأمد المنظور. ذلك أن التحريك الأميركي للمسار الفلسطيني- الإسرائيلي ينوء اليوم، وربما للمرة الأولى منذ أعوام طويلة، تحت ثقل هائل من التعقيد الإقليمي. ولقد بدا أن صورة المنطقة داخل مثل هذا التعقيد هي على جانب كبير من الاستعصاء وأن ثمة «ميكانيومات» متعددة المصدر، تحول دون رغبات أوباما، وترسم بسرعة قياسية التحولات المتسارعة على المدى الجيو-ستراتيجي للمنطقة.
هناك من راهن على الاحتدام بين تل أبيب وواشنطن حول حركة الاستيطان. لكن ليس لدينا من أوهام من أن مثل هذا الرهان سيصل إلى الدرجة التي يخالف فيها أوباما الثوابت التاريخية للعلاقة الأميركية-الإسرائيلية. ولقد تبيّن في الواقع، ما هو على العكس مما قصدته تلك المراهنة. إذ سرعان ما عاد الرئيس أوباما ليستغرق في الجدل الداخلي حول انتخابات الكونغرس. وسعي التيار الجمهوري ومعه سائر من تبقى حقبة من المحافظين الجدد، نحو المزيد من التقييدات على سياساته الخارجية وخصوصاً في ما يتصل بالتسوية الفلسطينية- الإسرائيلية.
بسبب من هذه التقييدات المتوقعة يرى كثيرون أن مرحلة ما بعد فشل شرم الشيخ ستمضي إلى نوعٍ من إدارة الفراغ الحاصل في الاشتباك السياسي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. لكن إدارة الفراغ - كما يبيّن هؤلاء - لن تستطيع احتواء انتفاضة ثالثة بدأت إرهاصاتها في أراضي 48، وقد تمتد إلى سائر الأراضي الفلسطينية. ولذا فليس بعيداً من الواقع أن تطورات متوقعة من هذا القبيل قد تملأ الفراغ وتضع الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية من جديد أمام الخيار المر، وهو مواجهة حرب استنزاف سياسية وأمنية، قد تكون طويلة الأمد هذه المرة.