شهرة البرازيل لم تعد وقفاً على نجوم كرة القدم. ديلما روسيف نقشت منفردة بعداً في صيت تلك الدولة ما يفوق أداء فرق عديدة. السيدة الستينية فعلت ذلك يوم أصبحت أول إمرأة تتسلم السلطة في بلادها. قلائل عدد النساء اللواتي تتداخل سيرهن الذاتية مع فصول التاريخ في أوطانهن.
ديلما روسيف أصبحت رئيسة الدولة الرابعة في العالم من حيث الكثافة السكانية. هي في الوقت نفسه القوة الاقتصادية الثامنة. روسيف صعدت هرم السلطة عبر الانتخابات وبعد الكثير من البذل من أجل الديمقراطية والتقدم.
الرئيسة البرازيلية ولجت المعترك السياسي وهي شابة في العقد الثاني من العمر عبر تيار اليسار. ذلك تيار جرفها لجهة الحبس والتعذيب في مواجهة العسكر. الانتماء الايديولوجي لم يكن ميولاً مكتسبة لدى ديلما بقدر ما كان قدراً عائلياً. مثلما ورثت عن والد يساري ثوري ارتبطت بزوج يدور في الانتماء نفسه. المرأة المناضلة اكتسبت صلابة قاومت بها مرض السرطان الذي نهش غددها الليمفاوية أخيراً.
بعد إكمال الدراسة الجامعية تدرجت ديلما روسيف في عدد من المناصب الوزارية إبان سنوات لويس لولا دي سيلفا الثماني. هذه السيرة الوضيئة لم تكن تكفي وحدها لحمل المرأة المناضلة إلى وهج التاريخ وقمة السلطة. هذا مجد عبرت إليه ديلما روسيف على بعض من رصيد استاذها السياسي ورئيسها المنتهية ولايته الثانية.
لولا دي سيلفا شخصية استثنائية. البرازيليون يرون فيه أفضل رؤسائهم قاطبة. شعبية توازي 80%. باراك أوباما وصفه بـ «أكثر سياسي معاصر محبوب». إبان رئاسته حدثت تغييرات في حياة أبناء وبنات البرازيل. أكثر من 20 مليون خرجوا من دوائر الفقر إلى قطاع الاستهلاك. البرازيل شهدت في السنوات الثماني الأخيرة قدراً من الاستقرار السياسي والاقتصادي.
سيرة دي سيلفا تشكل في حد ذاتها أقصوصة للنجاح. عامل ينحدر من وسط المهاجرين الفقراء إلى قيادة نقابات العمال ثم يصبح أول رئيس برازيلي لا يحمل شهادة جامعية. سياسي يتمتع بكاريزما تكسبه احتراماً واسعاً على صعيد العالم.
معارضوه في الداخل ينتقدون بتجاوز قامته ثقل الحزب. خصومه في الخارج يستنكرون عليه تقاربه مع شافيز، كاسترو ونجاد. أنصار دي سيلفا يرون في ديلما روسيف امتداداً لتوجهاته السياسية. هو انتقاها من بين أقرب معاونيه لخلافته. المرأة الاقتصادية شغلت أعلى منصب في إدارته.
هي تتميز إلى جانب الصلابة بالجرأة والصرامة. أحد أبرز العقبات أمام «المرأة الحديدية» البرازيلية أنها ستظل في موقع المقارنة دوماً. بين ما فعله دي سيلفا وما تفعله هي. صحيح أن الرجل مهد أمامها الطريق إلى قصر الرئاسة. غير ان الصحيح كذلك أنها ترث عنه عدداً من الرزايا. الفساد أحد الأثقال الموروثة عن دي سيلفا. المعارضة تتهم حزب العمال الحاكم باحتكار الوظائف العامة. ربما من يمن طالع البرازيلي احتفاظ القضاء والإعلام باستقلاليتهما بعيداً عن نفوذ الحزب.
إذا كانت الرئيسة مطالبة بكنس الفساد داخل جهاز الدولة فهي تواجه في الوقت نفسه مهمة متابعة الإصلاح الاقتصادي. مثل معظم بلدان العالم الثالث فقد ضربت لعنة النفط البرازيل. والأزمة لا تقتصر على الفساد السياسي بل تذهب غالباً إلى اختلال في الموازنات الاقتصادية.
السياسة الخارجية تشكل ملفاً معقداً في إرث دي سيلفا. الرجل استطاع تسويق مواقفه تجاه القضايا الخارجية اعتماداً على كاريزمته الذاتية أكثر من نهج سياسي مؤطر. مع ثقل الأعباء الداخلية من الغالب ان تمنح روسيف تلك القضايا أولويتها القصوى على الشؤون الخارجية. نظراً لهذه الأثقال لم تستطع روسيف بلوغ قصر الرئاسة من الجولة الأولى.
السؤال المطروح على صعيد البرازيل يدور عما اذا كانت المرأة الرائدة ستدير أمورها منفردة أم تستعين بحكمة الرئيس المنسحب. هل يؤدي دي سيلفا وروسيف في برازيليا لعبة بوتين وميدفيديف في موسكو.