رغم كل ما فعلته و ما تفعله روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي حتى الآن، إلا أن الغرب غير مقتنع بإمكانية التعامل مع روسيا على أسس جديدة وبحسن نوايا صادقة، وكأنه بالفعل كما يقال، أن العداء لروسيا ليس بسبب الأيديولوجية الشيوعية في الزمن السوفييتي، ولكنه عداء قديم راسخ في الثقافة الغربية منذ القرن الثامن عشر بعد أن أسس الإمبراطور بطرس الأول روسيا الحديثة وأعلن عنها كإمبراطورية عظمى ورفض لها أن تنضوي تحت أي كيانات أو تحالفات غربية.

منذ هذا الزمن والكتابات الغربية عن روسيا تدور حول محور واحد هو الشك في نوايا روسيا وتصويرها دائما وكأنها عدو يستهدف الغرب وأوروبا بالتحديد، ولهذا يقولون دائما أن روسيا لم تعلن قط عن نفسها أنها دولة أوروبية، بل دائما تتعامل وكأنها دولة شرقية تتطلع للغرب، ويفسرون الشعار الروسي الشهير « صقر برأسين»، بأنه طموح للسيطرة على الشرق والغرب معا.

هذه الأفكار والموروثات القديمة تؤثر دائما في تعامل روسيا مع الغرب، وليس فقط مع خصومها السياسيين، بل حتى مع أصدقائها، وهذا على ما يبدو ما حدث في لقاء الثلاثية الأوروبية ( روسيا وألمانيا وفرنسا) الأسبوع الماضي في منتجع ديوفيل في فرنسا.

الوفد الروسي ذهب إلى القمة، وكله رغبة في إعادة الدفء إلى العلاقات بين روسيا وكل من ألمانيا وفرنسا تحديدا. لكن القضايا التي أثيرت في لقاءات رؤساء الدول الثلاث كانت تقليدية ولم تسهم في إحداث التقارب الذي عول عليه الطرف الروسي.

فلدى إثارة مسألة، هيكلة الأمن المشترك لكافة الدول الأوربية، من قبل الوفد الروسي، تبين أن روسيا تنظر إلى هذه القضية وتفهمها بطريقة تختلف عن الاتحاد الأوروبي، فمن المعروف أن وجهة نظر الكريملين في هذه المسألة تتلخص في أن هيكلة الأمن الأوروبي ينبغي تشكيلها بمشاركة روسية، أما الأوروبيون فيرون أنه يتعين على روسيا أن تقدم ضمانات بالامتناع عن ابتزاز الأوروبيين في المستقبل في مجال الطاقة، وفي الوقت ذاته يؤكدون على ضرورة التقليل من اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز والنفط الروسيين.

وبعبارة أخرى يقترح الأوروبيون على روسيا أن تستمر في تزويدهم بما يحتاجونه من النفط والغاز إلى أن يجدوا مصادر بديلة للطاقة، أو إلى أن يتفقوا مع تركمانستان على تزويدهم بالوقود عبر طريق لا تمر في الأراضي الروسية، وكأنها صداقة وتعاون مؤقت لحين توافر إمكانية للتخلص من الصديق الروسي.

ومن المعروف أن العلاقات بين الدول الثلاث طيبة ومتطورة للغاية، والدبلوماسيون الألمان والفرنسيون، أطلقوا، قبيل انعقاد القمة، تصريحات متفائلة بأن هذا اللقاء سوف يحقق تقدما كبيرا، ليس فقط على صعيد العلاقات بين روسيا من جهة وكل من ألمانيا وفرنسا، من جهة أخرى، بل وعلى صعيد العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي بشكل عام. لكن المتمعن في ملامح وجوه أولئك الدبلوماسيين يكتشف بسهولة أن تلك التصريحات المتفائلة لم تكن تعكس قناعاتهم الحقيقية.

الواقع أن الروس يرغبون في التعاون بصدق مع الأوروبيين، فيقدمون للأوروبيين ما لديهم من موارد طاقة، مقابل الحصول على التقنيات العالية والمتقدمة، أما الأوروبيون فيتعاملون مع الروس وكأنهم بسطاء سذج، فعلى هذا الساذج البسيط الأمين أن يقدم كل ما لديه من نفائس، ويعطونه بالمقابل قلائد ملونة بألوان زاهية وأكوابا بلاستيكية، وما إلى ذلك.

هذا النمط من التعامل ليس مجازيا ولا مبالغة فيه، بل حقيقة تثبتها تفاصيل الصفقة المتعلقة ببيع حاملة المروحيات الفرنسية «ميسترال» لروسيا.

حيث اتضح أن الفرنسيين ينوون إفراغ حاملة المروحيات، والمروحيات من محتواها، ثم يسلمونها إلى روسيا هياكل بدون تقنيات، وتبرر وزارة الخارجية الفرنسية ذلك بأن تقنيات الناتو، في كل الأحوال، لا تنسجم مع متطلبات حراسة الشواطئ الروسية، ولذلك لن تستطيع روسيا الاستفادة منها، وبعبارة أوضح سوف تشتري روسيا في المحصلة قطعتين بحريتين كبيرتين باهظتي الثمن، لكنهما فارغتين من وجهة النظر العسكرية البحرية.

هذا كله يؤكد أنه ليس لدى الأوروبيين رغبة حقيقية في بناء علاقات مبنية على الندية مع روسيا. هذا إلى جانب عامل آخر هام، وهو أن الأوروبيين لا يستطيعون إجراء تغييرات جذرية على علاقاتهم مع الولايات المتحدة، لأنهم يقدرون جيدا ما الذي سيحدث بعد ذلك، ويعلمون مدى تأثير واشنطن في الاقتصاد الأوروبي.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru