هل بات الحزب الديمقراطي الأميركي في حاجة إلى معجزة حقيقية للاحتفاظ بغالبية مقاعد الكونغرس؟
يبدو ان ذلك واقع بالفعل، فالحزب لا يعيش أفضل أيامه مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، هذا في الوقت الذي يشهد فيه الحزب الجمهوري صحوة واضحة.
يذهب الكاتب الأميركي «روبرت كورنويل» إلى ان داخل البيت الأبيض هناك شعور سائد هو الاقتراب من النهاية وليس الانطلاق من البداية لدرجة ان رام عمانوئيل كبير موظفي البيت الأبيض قدم استقالته بهدوء أخيرا، ومضى يبحث عن حياة أكثر هدوءا في عمله الجديد كعمدة لمدينة شيكاغو، كما أن هناك بضعة مستشارين يعتزمون الرحيل أيضا.
والشاهد أن واشنطن تسودها حالة من الترقب حول الانتخابات المقبلة، إذ من الصعب التكهن حول نتائجها بصورة نهائية، غير ان الأمر المؤكد هو ان الديمقراطيين يواجهون تحديا حقيقيا من قبل الجمهوريين الذين أعادوا ترتيب صفوفهم بعد خسارتهم الفادحة في الانتخابات الرئاسية والنيابية نهاية العام 2008.
ومع ذلك فإن هناك توقعات متشائمة للغاية بحق الديمقراطيين عبر عنها البعض بالقول انه بات خوض انتخابات تفضي إلى هزيمة كالهزيمة المنكرة التي وقعت عام 1997 وأدت إلى إعادة ترتيب رئاسة كلينتون، تؤخذ على أنها أمر مسلم به.
ما الأسباب التي يمكن ان تدفع بمثل هذه الهزيمة لتلحق بالديمقراطيين؟
من جديد انه الاقتصاد، فالحاصل أن إدارة اوباما بالغت في الترويج لأساليب علاجها فعملت بذلك على تعقيد المشكلة السياسية، وحتى الساعة يئن الاقتصاد الأميركي ويتمخض دون ولادة حلول جذرية للأزمة الاقتصادية.
ومما لا شك فيه ان المال في الانتخابات الأميركية هو عصب العملية برمتها ولذلك عندما تدعم «وول ستريت» الجمهوريين انتقاما من الديمقراطيين فإن كارثة محققة في الطريق لتحل بحزب الرئيس.
ففي مطلع سبتمبر المنصرم أفادت دراسة نشرها معهد «سنتر فور ريسبونسيف بوليتيكس» الذي يحلل استخدام الأموال من قبل الأحزاب السياسية، بأن قطاعات المال والتأمين والعقارات دفعت للحزب الجمهوري ومرشحيه نحو 34 مليون دولار منذ مطلع العام مقابل 23 مليونا للديمقراطيين.
والمقطوع به ان ملوك المال في وول ستريت لا ينظرون بعين الرضى إلى رغبة اوباما في إنهاء خفض الضرائب للأغنياء الذي اقر خلال رئاسة بوش، ولا إلى الإجراءات الكبرى التي اتخذها لإصلاح القواعد التي تحكم وول ستريت.
وإذا كان ما تقدم هو البعد الاقتصادي فإن هناك بعدا سياسيا مهما للغاية يتمثل في الدور الذي سيلعبه اللوبي الداعم لدولة إسرائيل في الانتخابات القادمة.
فللمرة الأولى على الأقل في المعارك الانتخابية العشرين الأخيرة يبدو التحالف بين اليهود الأميركيين والحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة على وشك الانهيار، الأمر الذي حدا بمحرر مجلة «نيو ريببلك» اليهودي مارتين بيرتس للقول «إنني اعرف الكثير من اليهود ممن يشعرون بالندم لانتخابهم اوباما».
ورغم ان اوباما في واقع الأمر لم يقدم شيئا يذكر للعرب فإن يهود أميركا يبدوا أنهم يرغمونه الآن على دفع ثمن زياراته لتركيا السعودية ومصر وما قاله في كل منها باعتباره داعما للعرب والمسلمين.
وبحال من الأحوال فإن أحدا لا يستطيع ان ينكر التأثيرات السلبية لليمين الأميركي المتطرف الذي ما برح يروج أكاذيب عن جذور باراك اوباما الإسلامية، الأمر الذي دفعه أخيرا إلى التردد على الكنائس للصلاة الإعلانية الدعائية ان جاز القول، ولاحقا التصريح بصيغة مباشرة لا تخلو من الفجاجة عن عقيدته المسيحية، لكن يبدو ان الاسلاموفوبيا البغيضة كانت ولا تزال رابضة خلف الباب الأميركي متشوقة لأن تسود على كل من لا يوافق هواها العنصري وجاهزة للانقضاض عليه بشراسة.
يؤكد البروفيسور «توماس مان» الأستاذ في معهد بروكينجز على ان الحزب الديمقراطي سيمنى بخسارة كبيرة أمام الجمهوريين وسيفقد الأغلبية الحالية لصالح الجمهوريين بفارق ربما يصل إلى 40 مقعدا، وهذا معناه ان كل الانجازات التشريعية التي حققها اوباما ستذهب أدراج الرياح وان ما سيتبقى من فترته الرئاسية سيكون حرب استنزاف بينه وبين الجمهوريين الشرسين.
خطاب اوباما الليبرالي لم يعد جذابا، وبات انه أحاديث يوتوبية ولهذا نجده يعمد في جولاته الأخيرة إلى مهاجمة الجمهوريين ويصفهم بالرجعيين والمتشددين ويستعين بالرئيس بيل كلينتون كحائط صد أخير لإنقاذ حزبه الذي يتعرض لانتكاسة كبيرة، سيما وان الرجل له كاريزما اقتصادية خاصة فهو الوحيد في الثلاثة عقود الأخيرة الذي تمكن من موازنة الميزانية الفيدرالية.
هل من أهمية خاصة لهذه الانتخابات النصفية؟
حكما نعم، ذلك انه حال فوز الجمهوريين بالأغلبية فإن فرص إعادة انتخاب باراك اوباما لولاية ثانية كرئيس لأميركا في 2012 ستتقلص ولا شك كثيرا، لصالح الجمهوريين، الأمر الذي يعنى ان على العالم الاستعداد لاحتمال اعلان فصل جديد من فصول التشدد الأميركي بحسب الوجوه الجمهورية المطلة على شاشة الساحة السياسية هناك سيما وان أولى أعمالهم ستكون محو سجلات وتشريعات باراك اوباما الذي يحتاج معجزة مرتين، مرة في الأيام القادمة ليفوز حزبه بالأغلبية ومرة للترشح للرئاسة القادمة والفوز بها من جديد.
كاتب مصري