لا يخفى على أحد الآن التراجع الواضح لمكانة الولايات المتحدة الأميركية على الساحة الدولية، هذا التراجع الذي بدأ بالفعل بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.
وخاصة بعد الحملة العسكرية على العراق، وخلال الأعوام الماضية والعالم يراقب تصرفات وسياسات واشنطن في العراق وأفغانستان وفي باقي المناطق على الساحة الدولية، ويلاحظ الجميع بوضوح أن ما يحدث لا يعكس سياسات دولة عظمى مسؤولة عن أمن وسلامة المجتمع الدولي، بقدر ما يعكس سياسات أنظمة لا تهمها سمعة بلدانها وشعوبها.
وتوقع العالم مع انفجار الأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة أن تعتدل السياسة الأميركية وتتراجع عن عنجهيتها وتصرفاتها المتهورة، خاصة وأن الأزمة تنخر في الاقتصاد الأميركي العملاق بشكل وإن كان بطيئا إلا أنه واضح، والجميع يبتعد عنها ولا يريد الاتفاق معها على حلول للأزمة، وكأنها مريض مصاب بداء معدي.
روسيا التي تعاني أقل من الجميع بسبب الأزمة، والتي تملك من أوراق الضغط الكثير، خاصة على واشنطن، سواء في أفغانستان أو في إيران، أو حتى بالنسبة لوضع الرئيس أوباما الذي يعول الكثير على موسكو لتجميل صورته أمام شعبه الأميركي وأمام العالم، روسيا التي يعول عليها الأوروبيون الكثير في مجال تأمين الطاقة من النفط والغاز.
قدمت لواشنطن الكثير، ومازال مطلوب منها الكثير، ورغم هذا لا تلقى من واشنطن سوى النكران والجحود وسياسات أشبه بما كان سائدا في زمن الحرب الباردة، وأكثر من ذلك تحاول واشنطن أن تصور للعالم أن المساعدات التي تقدمها لها موسكو إنما هي لصالح روسيا أكثر منها لصالح أميركا، وهذا ما سمعناه مؤخراً منذ أيام على لسان مساعد وزيرة الخارجية الأميركية فيليب غوردون في حديثه لصحيفة «غازيتا رو» الروسية.
حيث قال ان الولايات المتحدة لا ترى في تخلي روسيا عن تسليم منظومة «اس ؟ 300» الصاروخية إلى طهران بمثابة هدية لواشنطن لأن إلغاء هذه الصفقة يصب بمصلحة موسكو نفسها، وأعلن أن روسيا ستستفيد من عقد اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وترانزيت الأسلحة إلى أفغانستان وإلغاء صفقة «اس ؟ 300».
هذا الحديث من الدبلوماسي الأميركي نشم فيه رائحة العنجهية والغرور الأميركي الذي يحاول أن يقلب الواقع ويحرفه لصالحه، إذ انه كيف يكون مفيدا لروسيا تخليها عن تسليم إيران منظومة «إس ؟ 300» وما يترتب على إلغاء هذه الصفقة من خسائر لشركات التصنيع الحربي الروسي، وماذا يضير روسيا من تسليم هذه المنظومة لإيران، أما بالنسبة لاتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية.
فقد كان واضحا للجميع أن موسكو كانت رافضة تماما لها، وأنها ربما وقعتها مجاملة للرئيس أوباما الذي حصل على جائزة نوبل دون أن يفعل ما يستحق عنه هذه الجائزة، وبالنسبة لترانزيت الأسلحة إلى أفغانستان عبر روسيا يقول غوردون ان روسيا معنية أكثر من الولايات المتحدة بإحلال الاستقرار في هذا البلد.
ونقل الشحنات لقوات التحالف عبر أجواء روسيا يساعد في ذلك، وهذا صحيح فعلا أن موسكو معنية أكثر من واشنطن بكثير بإحلال الاستقرار في أفغانستان، ولكنها في نفس الوقت ترفض تماما منطق الحرب السائد هناك.
وتطالب روسيا بحرق محاصيل المخدرات في أفغانستان لسد منابع التمويل على المنظمات الإرهابية، ولكن واشنطن ترفض ذلك تماما لأسباب مجهولة، إذا من الواضح أن استقرار أفغانستان الذي تتحدث عنه واشنطن يختلف كثيرا عما تريده موسكو.
وفي موضوع الأمن الأوروبي الذي تريد موسكو ويريد الأوروبيون أيضا أن تضطلع فيه روسيا بدور كبير يتناسب مع مكانتها وقوتها العسكرية الكبيرة، ولكن على ما يبدو أن هذا الأمر لا يروق تماما لواشنطن التي احتكرت الهيمنة على الأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن.
وذلك من خلال منظومة حلف الناتو الذي يحتكر الأميركيون قيادته وتوجيهه، فقد تقدمت موسكو بمبادرات لعقد معاهدة جديدة في هذا المجال، ولكن واشنطن تضغط بشدة للحيلولة دون قبول المبادرة الروسية، ويقول غوردون في هذا الشأن: «لا نعتبر هذه المعاهدة ضرورية، ونحن لدينا مؤسسات الأمن الأوروبي القائمة على مبادئ فعالة، ولا داعي لاختراع أشياء جديدة».
هكذا تتعامل واشنطن مع موسكو بمنطق العنجهية والغرور الذي في غير محله على الإطلاق، وكأن الأميركيين يتصورون أن روسيا مثل باقي دول العالم الثالث الصغيرة التي تبات وتحلم بالرضا السامي من البيت الأبيض.
كاتب روسي
Luon1935@kin.ru