ولكن أولاً، هل يصلح العطار ما أفسده الدهر؟
هذا السؤال يطرحه الفرنسيون اليوم ـ وهم المتخصصون في صناعة العطور ـ على أنفسهم بعد أن سمعوا وتحققوا من صوت بن لادن رئيس تنظيم القاعدة يهدد ويتوعد فرنسا بما لا تحمد عقباه إن هي استمرت في استفزاز التنظيم. لقد بدأت زوابع تنظيم القاعدة تتجه نحو فرنسا بشكل واضح.
ترى، هل بإمكان فرنسا أن تحل لغز القاعدة بعد أن عجزت الولايات المتحدة الأميركية عن القيام بذلك؟ أو أن هناك من خطط خارجية مستترة ترمي لتحويل تلك الرياح إلى جهة غير الولايات المتحدة؟
المهم أنه سواء كان ذلك بمحض إرادتهم أو أنه مخطط غير شريف أو أنه قدرهم أن يجدوا أنفسهم يقفون في وجه تنظيم مسلح كتنظيم القاعدة، فمن الواضح أن الفرنسيين يتم تغريرهم للتورط في مواجهات هم في غنى عنها خاصة في هذه الفترة التي تشهد فيها فرنسا توترات على أصعدة عدة.
فالقاعدة على ما يبدو امتدت جذورها ووصلت إلى بلاد المغرب العربي وأصبحت لها قواعد تنطلق منها هناك. وربما تخطط لاستعادة أمجاد المسلمين الضائعة وتكرر تجربة طارق بن زياد لاجتياز مضيق جبل طارق باتجاه الأندلس لتحريرها من الصليبيين.
منتهزة في ذلك فرصة انشغال الولايات المتحدة الأميركية بعدة قضايا داخلية ودولية وعلى رأسها احتدام الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين على كسب انتخابات الكونغرس القادمة وتفاقم مشكلة البطالة والفساد واستمرار الأزمة الاقتصادية إضافة إلى البحث عن حل لمشكلة الشرق الأوسط العالقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وتقسيم السودان وترتيب أوراق العراق، ومستغلة تزايد الخسائر البشرية والمادية بين قوات التحالف في أفغانستان ومستندة على الفضائح التي كشفتها وثائق ويكليكس فيما يتعلق بنشر تفاصيل جرائم الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها في أفغانستان والعراق ومطالبة العديد من دول العالم بما فيها دول مجلس التعاون بتشكيل لجان تحقيق في هذه المسألة.
كل ذلك ربما رفع من أسهم تنظيم القاعدة وعلى رأسها بن لادن الذي يتعمد الغياب لفترات طويلة حتى تنتشر الشائعات عن موته، ثم يخرج فجأة بخطاب يهدد فيه ويتوعد. وهو لا يخرج على ما يبدو إلا في توقيت محدد.
وهذا تكتيك ليس بجديد على تنظيم القاعدة، ولكنه اتخذ هذه المرة أسلوباً جديداً في توجيه أنظار العالم منذ ما يقرب العام إلى مواجهة غير متوقعة ولكنها محتملة بينه وبين فرنسا التي وضعها على أجندته من بين تلك الدول التي شاركت في قتاله وبالتالي لابد من قتالها هي بدورها.
وحيث ان فرنسا لها مصالح تمتد في شمال إفريقيا، بل في معظم إفريقيا، وحيث إن عروق تنظيم القاعدة وصلت إلى هذه القارة السوداء بشكل لا يدعو للشك، فإنه من الطبيعي أن تتقاطع المصالح وتتصادم. وخطاب بن لادن الأخير يسير في هذا الاتجاه.
وكأنه يقول: نحن هنا وانتم هنا وأنتم طلبتم المبارزة. عليكم العودة إلى من حيث أتيتم أو أتركونا لشأننا. وكأننا نشهد اليوم الاستعدادات الأولية لمبارزة جديدة لا بد قادمة بين معسكرين قد تقلب نتائجها كل الأوراق رأساً على عقب.
وإذا نظرنا إلى معسكر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، نجد أنه اليوم في حال لا يحسده عليها أحد خاصة فيما يتعلق بتوقيت هذه المبارزة التي دعي إليها من قبل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن. فالرئيس الفرنسي يعاني هذين اليومين الأمرين من شعبه.
والمظاهرات ملأت الشوارع ضد قانون رفع سن التقاعد، وشعبيته في أدنى مستوياتها منذ دخوله قصر الإليزيه مع زوجته الجديدة كارلا بروني، إضافة إلى توترات أخرى سببتها له أزمة ترحيل الغجر. واليوم يظهر له بن لادن ليس في الحلم ولكن في النيجر والصحراء الكبرى وفي رسالة صوتية يحمله فيها مسؤولية الصراع المتزايد بين الطرفين.
وعندما يتحدث بن لادن عن استهداف مصالح فرنسا فهو يعني ما يقوله. ورسالته الصوتية ومحتواها لا شك ألقت بظلالها على الشعب الفرنسي وأثارت مخاوفه وقلقه لأنه لم يعتد قط على مواجهة مباشرة مع تنظيم القاعدة الذي تعود أن يوجه تهديداته ضد الولايات المتحدة وبريطانيا تحديداً أو الغرب بشكل عام.
وفي الوقت الذي اعتقد ساركوزي أن تهديدات زعيم تنظيم القاعدة هذه قد تصب في صالحه وتجعل الشعب الفرنسي يتحد ليلتف حوله ويحميه من الأعاصير القادمة، وجد على العكس تماماً أن الشعب الفرنسي حمله مسؤولية استفزاز نمر على مستوى بن لادن كسب الكثير من الخبرات وعلى مدى عقود من حروب الكر والفر يشكل تهديداً لأمن فرنسا.
جبهة الصراع تحولت الآن إلى فرنسا، والشرارة بدأت باختطاف خمسة مواطنين فرنسيين في النيجر. وتحولت المسألة لتأخذ بعداً أكبر من مجرد اختطاف رهائن فرنسيين لتتحول إلى إعلان الحرب.
أما حقيقة هذا الصراع الذي ورطت فرنسا نفسها فيه، فيتلخص في خطط القاعدة الانتشار في إفريقيا. والوجود الفرنسي المعلن والمستتر هناك يعرقل حركتها. فكانت بداية الصدام. والشعب الفرنسي حائر بين الحفاظ على أمنه أو الحفاظ على كبريائه.
والوقوع في فخ بن لادن لن يكون بكل تأكيد من صالح فرنسا. ولا أحد يعلم إن كان لتنظيم القاعدة أي خلايا نائمة في الأراضي الفرنسية استعداداً لأي مواجهة على الأرض.
والبلاغ بوجود قنبلة الذي أجبر السلطات الفرنسية على إغلاق برج إيفل مرتين في شهر سبتمبر وأكتوبر الماضيين أمام السائحين تحمل رسالة واضحة أولاً للرئيس ساركوزي ومن ثم للشعب الفرنسي، بأن القاعدة لها وجود على الأرض الفرنسية وإنها قد تعمل على ضرب السياحة في فرنسا.
والتحذيرات السعودية ـ ذات الباع الطويلة في حربها مع تنظيم القاعدة ـ للدول الأوروبية من احتمال حدوث أعمال إرهابية لها دلالاتها أيضاً في هذا المسار.فرنسا لم تبدأ بعد العد التنازلي لساعة المنازلة. ولكن، هل ستقع آجلاً أم عاجلاً؟
جامعة الإمارات
dralaboodi@gmail.com
