حينما يجلس مفكرون ومثقفون وفنانون مبدعون عرب إلى بعضهم وتدور رحى الأمنيات والتجليات في شأن واقع الأمة ومصير مستقبلها، تدمع عين البعض منهم انكساراً أمام الحواجز والعقبات التي لا تقوى على العبور منها قلوبهم التي تخفق بالأمل بالمدى الواسع للطموح.

وبعضهم يعض على شفاهه يسب ويلعن ما رمى به هذه الرمية، ومنهم من ينظر إلى الأفق يهز رأسه ليقول غداً ستزول الغمة ويشرق الفجر من جديد، هذا هو حال الشريحة التي يعول عليها ان تكون في مقدمة ركب التنمية، وفي مقدمة ركب المسافرين في الآفاق بكنوز الأمة من عطاء ومشاركة.

اليوم وتحت ظلال بيان وزراء الثقافة العرب الذي قلنا بالأمس انه يحمل حلماً وردياً لو تحقق ولامس الواقع وأصبح حياً بطاقة العزيمة والإصرار وردم الثغرات وإزالة العقبات من المفترض ان المهمة الأولى هي الذهاب فوراً إلى محيط تلك الجلسات، لكي نعالج مزاجها..

فهذا المفكر أو المبدع العربي لا يتوانى عن حمل راية الأمة لو فتحت له الآفاق على صهوة جواد جامح. لكن الجواد لا يتوفر، ولا تساعد ظروف، وإيقاعات، ومناخات وترسبات في بنية العقل العربي على جموح ذلك الجواد أصلاً، ما لم يكن المدى مفتوحاً، هذا المدى الذي يستشعره المثقف العربي وكأنه أصعب الأحلام تحقيقاً في واقع عربي يرمي على الأرصفة والهوامش ما يرمى من العقول ثمناً لرغيف خبز!

فإلى أي مدى ستذهب رؤى بيان وزراء الثقافة العرب وطموحاتهم النيرة فيه، إذا ما ابتعدوا عن تلك الجلسات التي يعض فيها المفكر والمثقف العربي أصبع الندم حسرة على حاله وحال القدرة الوقادة في داخله والمكبوتة نتيجة عوائق وظروف غير مواتية لتحقيق الأحلام الكبار.. ما مدى اتساع صدر تلك الرؤى الوردية، ونواياها الطيبة، ما لم تذهب سيارة إسعاف إلى رصيف الشارع العربي لكي تنقذ مئات الآلاف من العقول المهدرة؟

من الرصيف بالإمكان إعداد جيش من المفكرين، وبالإمكان صياغة رسالة مؤثرة في المشهد العالمي، وبالإمكان تقديم إسهامات محترمة للبشرية، فهذا الرصيف ولسنوات طويلة احتضن ومازال تلك العقول القادرة على العطاء.. بعضها أيضاً فضل العيش على أرصفة مختلفة، فذهب إلى بلدان الصقيع، لكن على الرصيف أيضاً.. عقول عربية مهاجرة كالعصافير التي تاهت عن أعشاشها، لكنها ما زالت تعطي.

من القاع يمكن لنوايا البيان الوزاري أن يثمر وروداً وأشجاراً تطاول الأحلام والأماني. وإذا لم نذهب إلى ذلك الرصيف، فسيبقى الحلم وردياً لكنه معلب في فاترينة زجاجية تشبع النظر فقط!

mhalyan@albayan.a