لماذا لا يمكن لإسبانيا أن تترك الرئيس الفنزويلي «هوغو شافيز» وشأنه؟
إن المحاكم الإسبانية ورئيس الوزراء الإسباني، بل وملك إسبانيا، كل أولئك يبدو أنهم يسعون للأخذ بخناقه. ألا يمكنهم أن يروا الرئيس الفنزويلي يريد أن يوطد صداقته مع الدولة التي خرجت بلاده من معطفها؟ وفي نهاية المطاف، فإن السفير الفنزويلي في إسبانيا، تعهد أخيراً «بالتعاون في كل الأحوال مع الحكومة الإسبانية».
تواصل إسبانيا العزف على وتر الادعاءات بأن فنزويلا تؤوي الإرهابيين من حركة «إيتا»، وتدعي بأن مسؤولا كبيراً في الحكومة الفنزويلية يقوم بتدريبهم. وتعتبر «إيتا» جماعة انفصالية من إقليم الباسك ظلت لعدة عقود تشنّ حرب عصابات دونكيشوتية، في محاولة للفوز بدولتها المستقلة في الأراضي الإسبانية والفرنسية.
وأدلى اثنان من مقاتلي «إيتا» أخيراً بشهادتهما أمام محكمة إسبانية، فقالا إنهما تلقيا التدريب في معسكرات في فنزويلا على الأسلحة وحرب العصابات. وكان مدربهما، حسبما قالا لقاضي التحقيق، هو «أرتورو كوبيلاس» رئيس جهاز الأمن بوزارة الزراعة الفنزويلية. وزوجة «كوبيلاس» هي كبيرة الموظفين لدى شافيز.
وقد وجهت إسبانيا أول اتهاماتها في مارس الماضي، بعد أن علمت مدريد أن السجلات الحاسوبية التي ضبطتها السلطات في كولومبيا من منظمة القوات المسلحة الثورية الكولومبية المعروفة اختصاراً باسم «فارك»، وهي جماعة لحرب العصابات في كولومبيا، أظهرت أن مقاتلي «إيتا» و«فارك» تم تدريبهم في فنزويلا على يد «كوبيلاس».
وتعتبر الحكومة الإسبانية أن هذه الشهادة أمام المحكمة دليل آخر قوي. والمسؤولون مستاؤون تماماً. ففي نهاية المطاف، فإن «إيتا» تعتبر مسؤولة عن مقتل أكثر من 800 شخص على مدار السنوات الماضية. لذا فهم يلقون بالمسؤولية على شافيز.
ويحس شافيز بالضيق الشديد، ويقول إنه يعتبر الفكرة برمتها القائلة إن حكومته تقوم بتدريب إرهابيي الباسك فكرة «حمقاء» و«مهزلة». ويتساءل شافيز: «لماذا تصدق إسبانيا مجرمين اثنين متعطشين لسفك الدماء» يوجهان تهماً «سخيفة»؟
ويتمثل ما هو أكثر من ذلك في التساؤل كيف يمكن لأي شخص أن يصدق هذا القاضي الإسباني؟ لوّح وزير الخارجية الفنزويلي «نيكولاس مادورو» بإصبعه عندما صرح للصحافيين أن هذا القاضي «كانت له اتصالات» مع الحزب السياسي للرئيس الإسباني الأسبق، والذي أعرب عن تأييده لمحاولة الانقلاب ضد شافيز في عام 2002.
وحينئذ أكد السفير الفنزويلي لدى إسبانيا أن مقاتلي «إيتا» تعرضا للتعذيب في السجن، لذا فإن «فنزويلا لديها شكوك خطيرة حول ما إذا كانت هذه التصريحات قد جاءت «طواعية تماماً». والأمر غير المعلن بشأن هذا الاتهام هو العداء الواضح لإسبانيا تجاه فنزويلا. لماذا اختار القائمون بالتعذيب انتزاع تلك «الاعترافات» بالتحديد؟
لا يشعر المسؤولون الأسبان بالطمأنينة فهم ببساطة لا يصدقون «شافيز». وتطالب الحكومة ب«إجراء ملموس» من أجل العثور على معسكر لتدريب وغلقه. أصدرت المحاكم الإسبانية مذكرة اعتقال بحق «كوبيلاوس». وأخيراً، أعلن النائب العام في إسبانيا أن بلاده «لن تقبل بحصول هذا الإرهاب على أي نوع من الدعم الدولي»، وطالبت بتسليم «كوبيلاس» إلى إسبانيا. ورفض شافيز ذلك في اليوم التالي.
إن المشكلة تكمن في أن «شافيز» له تاريخ مؤسف مع القادة في إسبانيا. ففي عام 2007، كان ضمن الحضور عندما كان رئيس الوزراء الإسباني يلقي خطاباً. وطرح «شافيز» بعض التعليقات التي يعتقد أنها ذات صلة.
ويبدو أنه لم يكن هناك أحد يبدي اهتماماً بحديثه، فقام برفع صوته في الحديث، وعندئذ صرخ ملك إسبانيا «خوان كارلوس» بالقول: «لماذا لا تخرس!». وبعد هذه الواقعة، تم طبع عبارات الملك على قمصان بيعت بشكل مكثف على امتداد إسبانيا وأميركا اللاتينية، وبادر الملايين من الناس بتحميل تسجيلات ل«خوان كارلوس» التي قال فيها ل«شافيز»: «اخرس!»، واستخدمت كنغمة رنين للهاتف الخليوي.
وفي زيارته لإسبانيا العام الماضي، قال «شافيز» للملك، محاولا بأن يهادنه: «إنك تبدو مثل صديقي «فيديل كاسترو»! صورة رسمية لتلك اللحظة أظهرت ابتسامة عريضة ل«شافيز»، بينما الملك يقف إلى جانبه يرتسم على شفتيه تعبير يبدو كأنه يريد أن يقول: «متى سينتهي هذا؟»».
والآن يصر «شافيز» على موقفه، مؤكدا: «ليست لدينا أي عناصر ل«إيتا» هنا». فلماذا يختبئ هؤلاء الإرهابيون الأوروبيون في فنزويلا، دوناً عن جميع الأماكن؟ حسنا، أشارت الصحافة الإسبانية بابتهاج إلى أنه قبل 21 عاماً، قبلت فنزويلا بإيواء 27 من مقاتلي «إيتا الإسبانية» الذين تم ترحيلهم، وكان من بينهم «كوبيلاس».
ولكن كيف يمكن توقع أن شافيز يعرف ذلك؟ وكان سلفه، الرئيس الفنزويلي السابق « كارلوس أندريس بيريز» قد أبرم ذلك الاتفاق مع إسبانيا. والآن، فإن الصحافة الفنزويلية لا تلجأ إلى الكتابة عن هذا الأمر. (يصنف مؤشر حرية الصحافة الذي تصدره مؤسسة بيت الحرية فنزويلا على أنها الدولة الوحيدة في نصف الكرة الغربي التي ليست لديها صحافة حرة).
وقد تضخم هذا الجدل ليغدو سيئاً للغاية. فالملك خوان كارلوس تصدر مسيرة العيد الوطني في مدريد أخيراً، وارتفعت رايات المستعمرات الثماني السابقة التي كانت تابعة لإسبانيا في مقدمة المسيرة، جميع المستعمرات فيما عدا فنزويلا.
وذكر أن خوان كان غاضباً من هذا الأمر. ولكن أوضحت السفارة الفنزويلية في بيان لها أن راية فنزويلا «لم تكن متاحة». والآن، بعد أسابيع من هذا، يبدو أن شافيز يشعر بالضجر. فاتهامات إسبانيا، كما عبر عن ذلك بأسف، كانت «اسطوانة مشروخة». وجميعها ليس أكثر من «جزء من الأوركسترا التي تعزف ضد «الثورة البوليفارية»».
كاتب أميركي فائز بجائزة بوليتزر
