يحمل بيان وزراء الثقافة العرب الذي صدر مؤخراً في الدوحة ملامح إستراتيجية هامة تتوازى وطموحات الشعوب العربية وتراكم خطابها الفكري، وهي اللغة التي تتداولها النخب المثقفة أمام هجمة الاستهلاك التي تتعرض لها المنطقة، وبهذا التوازي المنطقي بين فحوى البيان وركائزه الرامية إلى استنهاض مقدرات الأمة العربية ورصيدها الثقافي المتمثل في ما ترتكز عليه من حضارة ضاربة في الجذور يبقى التفعيل هو سيد الموقف.
فلا يختلف اثنان من العرب اليوم على كل كلمة وردت في البيان، بل هي تشبه الحلم الوردي المنتظر، حينما تبادر المؤسسات الرسمية العربية إلى تبني خطاب العمل الثقافي العربي المشترط والإسهام في بناء دور عربي فاعل يساهم في تعزيز الوجود العربي على أساس الثقافة والإبداع والفكر أمام التحديات.
التفعيل هو سيد الموقف، وإفساح المجال أمام المواطن العربي المثقف والمبدع والمفكر ان يكون في مقدمة المسيرة، ورفع صوته، وإضاءة بقعة ضوء حوله، ودفعه للوصول وفتح الآفاق أمامه، كلها مقومات تفعيل تحتاج إلى إعادة التفكير في واقع هذا المثقف الذي يقف اليوم على رصيد الحياة متفرجاً ومهمشاً.
فالعرب اليوم وفي صورتهم أمام الآخر، وما يواجهونه من حملات جائزة تستهدف تشويه هذه الصورة، بحاجة إلى آليات عمل ترفع من إسهام العربي وتبلور صوته وصورته في المحيط العام.
وكما ارتكز بيان وزراء الثقافة العرب على محصلة مفادها أن شرط العمل الثقافي العربي المشترك متوافرة لدى الأمة العربية عبر الانتماء الحضاري واللغة الواحدة والمصالح المشتركة والمستقبل الواحد، فإن هذه المحصلة واستشراف ناتجها المراد بلوغه في هذا الوقت من الزمن.
وفي هذه المرحلة التاريخية، ستكون بحاجة إلى تفاعلات من نوع آخر، هذه التفاعلات لها علاقة كبيرة بالحال على أرضية الواقع، فالمثقف النوعي، وصوت الثقافة والفكر في هذا الواقع، عليها ما عليها من ملاحظات، وحولها ما حولها من ملابسات، فالمتحكم اليوم في سوق الثقافة، تجارة رخيصة، حولت الثقافة الرصينة إلى ثقافة مسطحة، استهلاكية، غاياتها، تجارية بحتة.
وبالنظر إلى أن الإعلام هو حامل صوت الثقافة وصورتها، فإن بوابة الإعلام عليها ان تفتح على جهات مختلفة عن واقعها اليوم، والعملية لن تبقى في حيز الشعارات والنوايا الطيبة، دون مراجعة جميع القنوات التي تصب في صالح إعلاء صوت الثقافة العربية.. فالهش الذي يغذي عقول جيل الشباب اليوم من ثقافة الاستهلاك يشكل عائقاً وتحدياً أمام رؤى نبيلة حملها البيان.
نتفاءل مع هذا التوجه العربي، ونستشف نبله وانتباهه إلى حال الواقع الثقافي العربي، وهذه الرغبة في الانبعاث هي رغبة متأصلة في الفكر العربي الأصيل منذ عقود طويلة، لكنها في كل مرة تحبطها التحديات، وتقوضها الثعابين التي تعبث في الظلام.. فإذا ما استشعرنا بضرورة لوجود حضاري فاعل بين شعوب العالم، فعلينا ان ندعم مثقفنا وعالمنا ومبدعنا ومفكرنا العربي بقوة، عبر تجاوز عقبات واقعنا العربي أولاً.
