من يقدر له متابعة القوانين والتشريعات التي صدرت عن المؤسسات الصهيونية الحاكمة في إسرائيل منذ 1948، يتأكد بأن لهذه الدولة الاستيطانية بنية قانونية استثنائية يصعب إيجاد نظائر لها أو القياس عليها.
حقاً هناك عناصر مشتركة بين الممارسات القانونية لكل من إسرائيل وسوابقها من القوى الاستيطانية، كالتجربتين الأوروبيتين في كل من الجزائر وجنوب إفريقيا.. غير أن هذا لا ينقض فكرة تفرد النموذج الصهيوني من حيث قدرته على ابتداع قوام قانوني ذاتي، لا يبارى في استخفافه بالإرث القانوني الذي راكمته التجارب الإنسانية النظامية لإدارة العلاقات الداخلية بين الدولة ومواطنيها، وكذا على صعيد تنظيم العلاقات الخارجية في ما يعرف بالقوانين الدولية.
بكلمات أخرى، لا تستلهم إسرائيل أطرها القانونية نظرياً ولا تطبيقياً من تجارب الكيانات الأخرى، وإنما تملك دينامية قانونية خاصة بها تماماً. ونحسب أن جذر هذا «التفرد» يقع عند مفهوم الاختيار والتميز الذي تتوشح به الايديولوجية الصهيونية؛ المتحدر من مفهوم الشعب المختار.. فكما أن اليهود «شعب مختار» لابد أن دولة اليهود مختارة وقوانينها ليست كقوانين الآخرين!
مثلاً، ليس ثمة في قوانين الدول الأخرى ما يحاكي قانون العودة والجنسية الصادر قبل ستين عاماً، الذي يسمح لكل يهودي في هذا العالم بالحصول على جنسية إسرائيل ومواطنتها بمجرد أن تطأ قدماه أرض الدولة. صناعة المواطنة وحمل الجنسية لا يحدثان بهذه الآلية الميكانيكية في أي كيان سياسي في هذا العالم.
ولنا أن نلاحظ سمة الكبرياء والتعالي في هذا التصرف من إغفال المشرع الصهيوني لتداعيات هذا القانون على أوضاع الدول والمجتمعات الأم التي ينتمي إليها اليهود المرشحون للمواطنة الإسرائيلية.
ولو شاءت هذه الدول لأخضعت إسرائيل للمساءلة، بحسبها تستقطب مواطنين أقحاحاً فيها إلى منطقة هي محل صراع ضروس، وتحملهم على الانتماء إلى أرض لم يقل التاريخ كلمته النهائية حول أيلولتها، أقله لأن الفلسطينيين العرب يقطعون بملكيتهم لها وبعضهم يطالب بتحريرها من النهر إلى البحر.
أيضاً تفردت إسرائيل حين أرادت تعديل قانون الجنسية والمواطنة مؤخراً، فاشترطت على من يطلب جنسيتها الالتزام بالمجاهرة بالولاء لها كدولة «يهودية وديمقراطية». ومن المعلوم والشائع أن هذه الإضافة تعني مباشرة المس بحقوق غير اليهود من العرب المسلمين والمسيحيين في إسرائيل، لكن ما قد يخفى على الكثيرين أنه ربما يتعرض بالأذى لليهود المهاجرين الذين يحتفظون بجنسياتهم الأم.
وبيان ذلك أن قسم الولاء لإسرائيل قد يتعارض والولاء للدولة الأم. هذه حالة تحتاج إلى توضيح. فالمشرع الإسرائيلي يطرح أبعاداً تمييزية وتفضيلية لصالح إسرائيل وجنسيتها ومواطنتها، غاضاً النظر عن انعكاسات هذا التمييز على مواقف اليهود من بلدانهم الأصلية التي عادة ما يستمرون في الاحتفاظ بجنسيتها ومواطنتها. إن ازدواج الجنسية بالنسبة لليهود سيعني بعد الآن ازدواجاً صريحاً ومشفوعاً بالقسم في الولاء والانحياز يرجح جانب إسرائيل على ما دونها من الدول.
بكلمات أخرى، مطلوب من مزدوجي الجنسية في إسرائيل، حتى اليهود منهم، من الآن فصاعداً أن يكونوا إسرائيليين أولاً.. وبالتداعي مطلوب من الدول التي يحمل هؤلاء جنسيتها التأمل في مغزى هذه الحقيقة بالنسبة لولائهم لها..
فلماذا ينظر المشرع الإسرائيلي إلى قضية الجنسية والمواطنة طبقاً لحمولة أيديولوجية وسياسية ثقيلة، فيما يتصور هذه القضية بالنسبة للدول الأخرى مجرد حبر على ورق؟! أين حقوق هذه الدول على يهود يحملون جنسيتها ومواطنتها ويتمتعون بحمايتها ويعلنون ولائهم لدولة أخرى اسمها إسرائيل؟!
من ناحية أخرى، لا ينشغل المشرع الإسرائيلي بما إن كانت قوانينه تتسق والشرعة الحقوقية الدولية. تقول هذه الشرعة بأن الضفة والقدس وغزة والجولان أرض محتلة منذ 1967، لكن الكنيست الإسرائيلي له رأي آخر تماماً، فهو أعلن ضم القدس والجولان تباعاً ويتوسع حثيثاً في استيطان الضفة..
هذا دون الاستطراد إلى التشريعات الإسرائيلية التي تقضي باستفتاء الإسرائيليين حول نتائج عملية التسوية، وكأن الرأي العام الإسرائيلي هو المرجعية النهائية لمصير هذه العملية وليس ما تقوله شرعة الأمم المتحضرة. لا معنى لهذه التصرفات سوى أن إسرائيل بتشريعاتها وقوانينها ورأيها العام أولى بالرعاية والاتباع من شرائع السماء والأرض.
بالمناسبة، تساق قضية الاعتراف بيهودية إسرائيل في إطار من الجدل العقيم والتهريج السياسي والقانوني، وبدلاً من ذلك لماذا لا يصيغ الإسرائيليون دستوراً لهم؛ يحددون فيه اسم دولتهم وهويتها وحدودها...الخ؟
كيف يدع الإسرائيليون، بكل تبجحهم وعنجهيتهم واستكبارهم وادعائهم بالاختيار الإلهي، قضية تعريف الدولة بين يدي أعدائهم الفلسطينيين؟! ما الذي يجعلهم يحيلون هذا «الشرف» للفلسطينيين دون سائر الخلق، بل وبأولوية عن الأمم المتحدة ذاتها؟ ألا يعد ذلك رغبة من الجاني في استنطاق براءة تاريخية وحقوقية من الضحية؟
كاتب وأكاديمي فلسطيني