شعار روسيا المعروف «الطائر ذو الرأسين» والذي يحلو للبعض الآن أن يصوره بأنه يرمز إلى كل من الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين، هذا الشعار في الحقيقة يرمز إلى انتماء روسيا وتوجهها نحو كل من الشرق والغرب، هذان التوجهان اللذان يلازمان السياسة الخارجية الروسية دائماً، ويتجاذبان ويتسابقان بين الحين والآخر، فنجد اهتماما بالغا بالغرب على حساب الشرق.

كما كان في فترة التسعينات الماضية في عهد الرئيس يلتسين، ثم نجد العكس في عهد الرئيس السابق بوتين، بينما نلاحظ شبه توازن في عهد الرئيس الحالي ميدفيديف، وإن كان البعض يرى الآن ضرورة التركيز على الشرق في القارة الآسيوية بالتحديد، وذلك نظراً لسخونة الأحداث فيها وللنمو المتزايد لقوى آسيوية عملاقة على وشك أن تغير موازين القوى في العالم كله.

يتوجه الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف إلى فيتنام لحضور قمة روسيا ـ منظمة دول جنوب شرق آسيا (ءسءخ). كما سيشارك ميدفيديف في قمة مجموعة العشرين في سيئول في شهر نوفمبر المقبل، بعد أن قام بزيارة إلى الصين مؤخرا وعقد اجتماعا على نطاق واسع حول آسيا في مدينة خاباروفسك في أقاصي شرق روسيا في شهر يوليو الماضي.

وقد زار رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين هو الآخر الهند في شهر مارس الماضي والصين في نهاية العام الماضي، في الوقت الذي قام فيه ميدفيديف بزيارة إلى كل من منغوليا وسنغافورة. وهكذا يبدو واضحا اهتمام موسكو بالقارة الآسيوية.

لقد ظل الغرب نقطة الانطلاق للسياسة الخارجية لموسكو. إلا أنه في بداية القرن الـ 21 بدأ ميزان القوى في العالم يتغير بسرعة لصالح الشرق. وتنبهت روسيا أخيرا لحقيقة مفادها أن هذه التغييرات العالمية تمثل بالنسبة لها تحديات كبيرة لا يمكن مواجهتها بمجرد الحديث عن عالم متعدد الأقطاب.

روسيا في الواقع ليست الحلقة الأقوى في سلسلة السياسة الآسيوية. وعلى الرغم من أنها لا تزال لاعبا مؤثرا لا يجوز تجاهله في الفضاء الأوروأطلسي. إلا أن مواقفها في آسيا أضعف كثيرا من ذلك لاسيما على خلفية صعود الصين كقوة عظمى وسرعة تنمية الهند وحتى كوريا الجنوبية والبلدان الطموحة بمنظمة دول جنوب شرق آسيا التي تتميز تنميتها بشيء من الديناميكية.

ومن الناحية السياسية، لا ترى آسيا في روسيا شريكا. لذا تتيح لها المشاركة في مؤتمرات إقليمية عديدة اسمياً بحكم نفوذها السياسي، وليس فعليا بدرجة كبيرة. آسيا تستعد لأن تكون ساحة استراتيجية رئيسية للقرن الحالي من الناحية الاقتصادية والسياسية والعسكرية.

وإذا لم تتمكن موسكو من توسيع نطاق حضورها في هذه القارة على نحو كيفي، فإنها مهددة بأن تكون لاعبا ثانويا في الصراع بين القوتين العظميين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، أي الصين والولايات المتحدة.

وتحتاج روسيا أولاً وقبل كل شيء إلى وضع استراتيجية شاملة تضم تدابير تنمية الشرق الأقصى الروسي وتحديد مواقف روسيا في آسيا بشكل عام، وهما أمران لا ينفصلان. لن تتمكن موسكو من تحقيق تنمية شطرها الآسيوي من دون شركاء أجانب.

وإلى جانب ذلك، يجب تنويع الشركاء، إذ إن الاعتماد المطلق على الصين في هذه العملية قد يتسبب في مشكلات سياسية ونفسية على حد سواء. وترددت في روسيا منذ عدة سنوات شائعات مفادها أن ملايين الصينيين يحتلون سيبيريا، ولكنه تجلى فيما بعد أنها كانت مبالغاً فيها على الأقل.

ولكن من البديهي أن هناك فجوة اقتصادية متزايدة بين روسيا والصين، مما يشكل خطر إعادة توجه الشطر الآسيوي من روسيا نحو بكين مع بقائها اسميا في اختصاص موسكو. ولضمان تحقيق التنمية المستدامة يجب ضمان توازن بين المشاركة الصينية واستثمارات ومشاريع من الدول الأخرى كالولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والدول الأوروبية.. إلخ.

وإذا حققت منطقة آسيا والمحيط الهادئ لنفسها مكانة أوروبا في القرن الـ 20، فإنها ستشهد تقلبات كثيرة. يذكر أن أوروبا قبل أن تصل إلى حالتها الراهنة، شهدت حربين عالميتين كارثيتين، ومواجهة نظامية كادت أن تتحول إلى صراع مباشر.

وتوجد في آسيا تربة خصبة للتقلبات، وذلك بصدد العداوة التاريخية والنزاعات الحدودية بين أكبر القوى الإقليمية. ويمثل الوضع حول الأمة الكورية المنقسمة خطراً كبيراً.

وليس من الواضح كيف ستتطور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذ وصلت تبعيتهما المتبادلة وغير المرغوب فيها إلى ما يشبه مواجهة حادة. ولا توجد في آسيا على غرار أوروبا آليات ضمان الأمن، على الرغم من بعض المشكلات في بنية الأمن الأوروبي. لذا ستُرغم آسيا على إقامتها من نقطة الصفر تقريباً. ستختلف المناهج على الأرجح عن تلك التي تعودت عليها روسيا في أوروبا.

وإذا كان الكرملين يتعصب من زيادة النفوذ الأميركي في الفضاء الأوروأطلسي ويسعى لعرقلته، ففي آسيا، قد ترى روسيا في الحضور العسكري والسياسي الأميركي عنصراً مهماً للتوازن.

ومن ناحية أخرى، لا يجوز لموسكو أن تسمح لنفسها بالمشاركة في أي حلف قد تعتبره الصين موجها ضدها. وفي هذا الصدد يجب اتخاذ موقف حذر حيال أفكار إنشاء منظومة روسية أميركية مشتركة للدفاع المضاد للصواريخ وحتى انضمام روسيا الافتراضي إلى حلف الناتو. قد يغير التحدي الآسيوي زاوية رؤية روسيا للعالم الخارجي.

لم تعد المركزية الغربية التقليدية أمرا مقبولا باعتبارها لا تعكس الواقع الحالي من ناحية، ومن ناحية أخرى تعد العلاقات الوطيدة مع الغرب ضماناً لمواقف صامدة لروسيا في آسيا. ليست هذه المعادلة سهلة قط، ولكن حلها فقط يبشر بنجاح موسكو في القرن ال21.

خبيرة الإعلام السياسي الروسي