ما كشف عنه موقع ويكيليكس وأحدث ردود فعل قوية في العالم كله، هو قليل من كثير جدا، وكل ما ذكر وكشف عنه حتى الآن سبق أن قيل بشكل أو بآخر، ونذكر ما قيل منذ أعوام عندما بدأ الحديث عن جرائم شركات الأمن الخاصة أمثال بلاك ووتر وغيرها، سنجد أنه هو ما تكشف عنه وثائق موقع ويكيليكس الآن، لكن الفارق بين الأمرين أن من كان يقول هذا من العرب أو المسلمين كان يتهم بأنه خاضع ل«نظرية المؤامرة» هذه النظرية التي تم الترويج لها إعلاميا بكثافة في بلداننا العربية حتى أصبحت سيفا مسلطا على عقل كل من يشكك في نوايا أميركا وسياساتها في المنطقة.

كثيرون في العالم يشككون في أحداث 11 سبتمبر عام 2001، ولا يصدقون أن هؤلاء الحفاة حاملي الكلاشنيكوف في جبال «تورا بورا» يستطيعون القيام بهذا العمل الإرهابي الكبير، والمشككون في هذا الأمر أفراد وجهات وحتى دول كبيرة عبرت عن ذلك بشكل غير مباشر.

وربما آخر من نطقوا بذلك صراحة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، لكننا لم نسمع أحدا يتهمه أو يتهم الآخرين بأنهم خاضعون للفكر التآمري، أو ما أسموها بنظرية المؤامرة، هذه النظرية التي وجدت رواجا كبيرا في بلداننا العربية دون غيرها، وكأننا مفروض علينا ألا نفكر وألا نشك في النوايا الأميركية الحسنة تجاهنا، ولم لا.

وهي التي وعدتنا بالحرية والديمقراطية، وتدافع عن حقوق الإنسان العربي ضد أنظمة الحكم المستبدة، فكيف نقول بأنها قتلت مئات الآلاف من العرب، ألم نر الكثيرين من مدعي الدفاع عن حقوق الإنسان وعن الحرية والديمقراطية في بلداننا يناشدون الرئيس الأميركي السابق بوش الابن ومن بعده أوباما بأن يساعدهم ويدعمهم ضد أنظمة الحكم العربية القمعية؟

لقد تلقيت مرة رسالة على بريدي الإلكتروني تطلب مني الانضمام إلى كوكبة كبيرة من ناشطين ودعاة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية في رسالتهم إلى الرئيس بوش الابن تطلب منه أن يدعم حقوق الإنسان العربي المضطهد والمعذب من أنظمة الحكم في بلاده، وقرأت الرسالة، وأدهشني كثيراً الأسماء الموقعة عليها، وأكثرهم للأسف من مصر، ووجدت من بينهم أحد المرشحين المنافسين في انتخابات الرئاسة المصرية عام 2005 وزوجته.

كما وجدت بينهم شخصيات بارزة في المعارضة السياسية التي تطالب بالتغيير، وما أدهشني أكثر، أن وجدت بينهم بعض أصدقائي القدامى من الماركسيين المصريين الذين قضوا أكثر من نصف عمرهم في النضال ضد الإمبريالية الأميركية، وبعضهم كانوا من الأشاوس الستالينيين، وبقدرة قادر تحولوا إلى ليبراليين ديمقراطيين يتطلعون نحو واشنطن ينتظرون منها الدعم السياسي، ويا حبذا لو جاء معه الدعم « المادي».

هؤلاء هم وكافة الليبراليين الجدد الذين انتشروا على الفضائيات والإعلام المقروء والمسموع والإلكتروني، هم أول من يتصدى للدفاع عن الولايات المتحدة ويتهمك إذا هاجمتها بأنك خاضع ل« نظرية المؤامرة»، لأنك تتصور أن أميركا تكره العرب وتسرق ثرواتهم وتخدعهم بأكاذيبها وادعاءاتها حول الحرية والديمقراطية، والحق يقال إن هؤلاء لا يدافعون عن إسرائيل، لكنهم في الوقت نفسه لا يهاجمونها، بل يلتزمون الصمت إزاء ما ترتكبه من جرائم بشعة يدينها فيها العالم كله من الشرق إلى الغرب.

وثائق موقع ويكيليكس هزت العالم وأرعبت الكثيرين، وخرجت نداءات من جهات وشخصيات رسمية تطالب بعدم نشرها خشية حدوث كوارث، لكن أحدا لم يجرؤ على اتهام أصحاب ويكيليكس بأنهم غارقون في فكر المؤامرة، رغم أن اتهاما بسيطا مثل هذا من الممكن بشيء من الترويج الإعلامي أن يضعف موقف أصحاب موقع ويكيليكس، مهما كشفوا من وثائق، فهم في النهاية لا يعدو كونهم موقعا إليكترونيا، سهل الضغط عليه أو حتى إغلاقه، ولكن هذا لم يحدث لسبب بسيط، وهو أن أصحاب ويكيليكس ليسوا عربا ولا يخضعون لنظرية المؤامرة.

elmoghazy@hotmail.com