تسربت إلى وسائل الإعلام في الثاني والعشرين من أكتوبر الجاري عن طريق موقع ويكيليكس ما يقرب من أربعمائة ألف وثيقة سرية (391832) من وثائق وزارة الدفاع الأميركية تتعلق بالحرب الأميركية على العراق.

ويعتبر ذلك أكبر عملية تسريب للوثائق السرية في التاريخ. هذه الوثائق هي الثانية من نوعها منذ تسرب ما يزيد على سبعين ألف وثيقة حول الحرب في أفغانستان عن طريق الموقع نفسه في وقت سابق.

وتغطي هذه الوثائق أحداث عنف وسفك دماء جرت في الأراضي العراقية وثقتها القوات الأميركية إما عن طريق مشاهدتها مباشرة أو السماع عنها ابتداء منذ اليوم الأول من يناير عام 2004 حتى مارس عام 2009. كشفت هذه الوثائق عن الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وللقوانين الدولية التي قامت جهات متعددة على الأراضي العراقية.

فوفق هذه الوثائق سقط (109032) قتيلاً بينهم (66081) من المدنيين العراقيين، وبينهم (23984) من المقاتلين المعادين للاحتلال الأميركي للعراق، وبينهم (15196) من القوات الحكومية العراقية، وبينهم (3771) من القوات المتعددة الجنسية. وهذا العدد الهائل من الضحايا يزيد على عدد ضحايا حرب أفغانستان للفترة الزمنية نفسها.

ومما يلفت الانتباه في هذه الأرقام هو نسبة القتلى من المدنيين التي تزيد على 60% من المجموع الكلي للضحايا، أي بمعدل 31 قتيلاً مدنياً باليوم الواحد.

والحقيقة أن طبيعة الانتهاكات وحجمها التي كشفتها هذه الوثائق لا يدلل على أنها أحداث فردية يقوم بها بعض أفراد الجيش الأميركي أو بعض المنتسبين للأجهزة الأمنية العراقية كما يحلو لمن يريد تضليل الرأي العام العراقي إدعاء ذلك، وإنما سياسة مرسومة بوعي لكسر شوكة الشعب العراقي وإخضاعه لسلطة الاحتلال.

أثار نشر هذه الوثائق ضجة خارج العراق أكثر مما أثار داخله، فأغلب العراقيين قد عايشوا أحداث الرعب خلال السنوات المنصرمة ولم يفاجأوا بما نشر، بل هم على معرفة بأبشع مما نشر، إلا أن الرأي العام الخارجي قد صدم فعلاً بذلك.

فقد كشفت هذه الوثائق التي قام الجيش الأميركي نفسه بتوثيقها عن حجم ما تعرض له الشعب العراقي من انتهاكات مروعة لحقوقه الإنسانية وعن مدى الاستهتار الذي مارسته سلطات الاحتلال سواء باقترافها لهذه الجرائم بشكل مباشر أو سكوتها عما يجري داخل السجون والمعتقلات العراقية من انتهاكات يقوم بها بعض حلفائه.

يرى البعض أن توقيت نشر هذه الوثائق لم يكن عفوياً بل جاء بالتزامن مع قرب وصول أزمة الحكومة العراقية ذروتها أولاً وقرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي ثانياً.

إلا أنه ليس من السهل اتهام السلطات الأميركية بالتعمد في تسريب هذه الوثائق وتسهيل وصولها إلى الموقع الذي قام بنشرها بحجة أن هذا النشر يعزز من فرص الحزب الديمقراطي الذي يعاني من تراجع شعبيته في انتخابات الكونغرس النصفية، أو القول ان توقيت نشرها قد جاء للتأثير على مجرى العملية السياسية المتعثرة في العراق.

الجهات ذات العلاقة التي يمكن أن تتضرر من نشر هذه الوثائق هي الإدارات الحاكمة في العراق والولايات المتحدة وبريطانيا وإيران. فقد تطرقت بعض هذه الوثائق إلى تورط شخصيات سياسية عراقية تشغل مواقع متقدمة في الدولة العراقية بممارسات غير قانونية انتهكت فيها حقوق الإنسان. كما أشارت هذه الوثائق إلى تورط إيران بالأحداث الدموية بالعراق عن طريق تقديمها الدعم، بالمال والسلاح، لميليشيات مارست العنف خلال تلك الفترة.

كما أن من أبرز المتضررين من نشرها هما إدارتي الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير. فقد حصلت هذه الانتهاكات نتيجة لمسؤوليتهما المباشرة عن قرار احتلال العراق وسكوتهما المطبق عما جرى بعد ذلك من انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان رغم معرفتهما بتفاصيل ذلك.

وعلى الرغم من أن نشر هذه الوثائق سيزيد من تعقيد العملية السياسة المعقدة أصلاً في العراق يبقى المستفيد الأول من ذلك هو الشعب العراقي نفسه. فنشر هذه الوثائق يعتبر مكسباً كبيراً للذاكرة العراقية، فهذه الوثائق ستكون مادة غزيرة بالمعلومات لمن سيكتب تأريخ مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.

كما ستشكل هذه الوثائق أدلة جرمية لا يرقى الشك إليها يستطيع المدافعون عن الحق العراقي استخدامها على المستويات: المحلية والإقليمية والدولية لمقاضاة من لعب بمقدرات الشعب العراقي، وتتيح للعراقيين الذين لحق بهم الحيف المطالبة بالتعويضات المناسبة حسب القوانين الدولية.

ردود الفعل العراقية لنشر هذه الوثائق عكست حالة الاستقطاب الحاد، فقد تباينت بين محبذ يقف في موقع بعيد عن السلطة ورغب في تسقيط وجوهها، وآخر غاضب يقف داخل هذه السلطة ويستميت للاحتفاظ بها.

من الضروري من الناحية الموضوعية أن نشير إلى ان موقع ويكيليكس الذي نشر هذه الوثائق لا يستهدف من حيث المبدأ السلطة الحاكمة في العراق ولا يرغب في تقديم دعم لمعارضي المالكي فأهدافه أبعد من ذلك بكثير.

فقيام هذا الموقع بنشر هذه الوثائق ينسجم مع الأهداف الإنسانية التي تأسس في ضوئها منذ عام 2007، فهو موقع مخصص للخدمة العامة ولحماية الأفراد الذين يقومون بكشف الفضائح والأسرار التي تنال من المؤسسات أو الحكومات الفاسدة وتضعف دورها وتعرضها للمساءلة في القضايا التي تتعلق بحقوق الإنسان.

العراق لا يزال تحت النير الأممي وحضانة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهذا يحتم على المنظمة الأممية أن تلتزم بمواثيقها. فهي مسؤولة وفق ذلك عن كل ما لحق ويلحق بالعراق من رزايا، ومسؤولة قانونياً وأدبياً وأخلاقياً عن إجراء تحقيق عادل ومحايد في القضايا التي كشفتها الوثائق الني سربها موقع ويكيليكس مؤخراً.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae