مازال تشكيل الحكومة العراقية الجديدة تعترضه عقبات كبرى، ويخضع لمساومات ومناورات وصعوبات، تجعل التكهن بموعد التشكيل واتجاهه أمراً من الصعوبة بمكان، وعلى الرغم من الكثير الذي كتب عن هذه الأزمة ركز في المقام الأول على مسؤولية الأطراف الداخلية.

وعلى الخلافات التي تعترض الاتفاقات بين القوى الشيعية الرئيسية، فإن العامل الرئيسي وراء هذه الأزمة لم يطرح بصورة تتناسب مع مسؤوليته، واقصد هنا الولايات المتحدة الأميركية التي حاولت أن «تهندس» المجتمع العراقي وخريطته السياسية، فأنتجت هذا الواقع المأزوم المشوه الذي لا يمكن الخروج منه بسهولة.

لقد أعادت الولايات المتحدة وهى تعيد تنظيم وهندسة المجتمع العراقي، الاعتبار إلى الانتماءات الأولية وبالتالي تراجعت عن الحداثة لصالح عصر ما قبل الدولة عندما كان الإنسان ينسب هويته إلى القبيلة أو المذهب الديني أو العشيرة، والملاحظ أن الولايات المتحدة كانت في ظل سياسة الفوضى الخلاقة التي كانت تسعى لتطبيقها في المرحلة الأولى من غزوها للعراق، تسعى إلى تفكيك المجتمع العراقي من أجل إعادة تركيبه مرة أخرى، ونسيت أن العراق دولة عريقة دخلت الحداثة منذ قرون.

وبالتالي فإن عملية الفك والتركيب لابد وان تعترضها صعوبات، كذلك فإن الولايات المتحدة التي لا تملك خبرة طويلة بالمشرق العربي، مثل بريطانيا الدولة الاستعمارية التقليدية، تصورت أنها اللاعب الوحيد في الشأن العراقي، وتجاهلت أن هناك دولاً أخرى تتقاطع مصالحها وتتشابك مع الخطة التي أعدتها الولايات المتحدة للعراق في مرحلة ما بعد الحرب.

وفى مقدمة هذه الدول كل من إيران وتركيا ومصر والمملكة العربية السعودية. وهى لم تضع أي اعتبار لمصالح هذه الدول فاضطرتها أو بعض منها للعمل للحفاظ على مصالحها بما عقد الحسابات الأميركية تماماً في العراق.

وهذه التقاطعات في المصالح جعلت الأطراف ذات المصلحة تبحث عن حلفاء من داخل العراق تارة، وتسعى لعرقلة خطوات أميركية تارة أخرى، بل وبعضها استطاع أن يجبر الولايات المتحدة على تأجيل خطوات متعلقة بالعراق أو إلغائها سواء عبر اتخاذ خطوات مضادة أو عبر إقناع الولايات المتحدة ان مثل هذه الخطوات سوف تؤثر سلباً على مصالح أطراف إقليمية أو ستعطى ميزة نسبية لإيران في عملية إعادة تشكيل وتركيب العراق. ونذكر هنا أمثلة محددة وهناك غيرها كثير:

فتركيا عرقلت خطوات استقلال الشمال الكردي ليصبح دولة مستقلة، والمملكة العربية السعودية ومصر أقنعت الولايات المتحدة ان تضع مصالح سنة العراق في الاعتبار عند أي خطوة مقبلة، ودفعتها إلى الحوار مع أجنحة سنية بعضها كان ينتمي لحزب البعث الذي سعت الولايات المتحدة في البداية إلى اجتثاثه.

أما إيران فهي دفعت الولايات المتحدة لأن تبحث عن قوى شيعية غير دينية وليست لها روابط قوية معها لكي تتحالف معها في مواجهة القوى الشيعية المرتبطة بإيران.

يضاف إلى ذلك أن بعض دول المنطقة خشيت من أن تنتقل إليها عدوى الديمقراطية التعددية التي سعت الولايات المتحدة لترسيخها في العراق فعملت على إفشالها عبر طرق عديدة حفاظاً على استقرار أنظمتها وخشية من أن تنتقل إليها وبعضها من الدول التي بها أقليات شيعية يمكن أن تستقوي بما حدث في العراق بعد أن سيطر الشيعة على العملية السياسية.

وكل ذلك أنتج في النهاية توازنات سياسية هشة في العراق على أكثر من صعيد جعل القوى السياسية العراقية تفتقد إلى الأغلبية بل وتفتقد منهج التعايش الديمقراطي الذي تقاوم عليه أي تعددية سياسية.

وذلك التوازن الهش جعل أطرافاً من خارج المعادلة السياسية يتدخلون في الشأن السياسي، وعلى رأس هذه الأطراف المرجعية الشيعية في العراق الممثلة في علي السيستاني، ولهذا الأمر خطورته إذا ما علمنا أن المرجعية الشيعية في العراق على عكس إيران لا تؤمن بولاية الفقية، وهو الأمر الذي كان مثار خلاف بين شيعة العراق وشيعة إيران منذ بداية القرن العشرين وحتى الاحتلال الأميركي للعراق.

والمأزق الذي أوصلت السياسية الأميركية العراق إليه يبدو وكأنه بلا حل، فمن جهة يبدو أن خيوط اللعبة أصبحت بعيدة تماماً عن أيدي الولايات المتحدة، والدليل على ذلك أن القوى المحلية الموالية للولايات المتحدة أصبحت تسعى للتحالف مع قوى محلية معادية لها أو تبحث عن أطراف إقليمية تساندها كبديل عن الدعم الأميركي السابق لها. بل ان العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة أصبحت تشبه وصمة العار بالنسبة لهذه القوى التي أصبحت حريصة على الابتعاد عن الولايات المتحدة قدر الإمكان حتى تحفظ لنفسها موقعاً في الخريطة السياسية وحتى يكون لها دور في ترتيبات مرحلة ما بعد الانتخابات.

وهذا الموقف أدى لأن أصبحت الولايات المتحدة التي سببت هذا الوضع المشوه خارج العملية السياسية العراقية من الناحية العملية وأصبحت الأطراف الإقليمية هي الأقوى وهى التي سوف تحدد شكل الوضع المستقبلي في العراق بل وهى التي تتوسط بين الأطراف العراقية من أجل الخروج من أزمة تشكيل الحكومة، وهذه الأطراف هي سوريا وإيران والسعودية ومصر وتركيا.

وهذا الوضع أدى لأن أصبح دور الولايات المتحدة في العراق لا يزيد على كونها قوة الاحتلال، وهذا الوضع هو ما حذر منه محللون كثيرون ممن كانوا يعارضون التدخل العسكري الأميركي في العراق ولكن أحداً هناك لم يستمع لهم. وللأسف فإن أحداً لا يعرف كيفية الخروج من هذا الوضع في ظل التوازن الهش بين القوى المحلية والخلافات الكبرى بينها على أكثر من صعيد.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com