لشجرةِ الزيتونِ كبرياءٌ لافت، وأُلفةٌ وبهاءٌ يلحظْهُما الناظرُ إليها وهي تحملُ ثمارَها الطيّبة. ولأنَّها شجرةُ سلامٍ مباركةٌ من خالِقِها، لا يصيرُ مُستَغْرباً أنْ يَشُنَّ أعداءُ الله، المستوطنون المحتلون في فلسطين، حرباً عدوانيّةً عليها، بالقلعِ والحرقِ والتخريب، في الموسمِ الحالي لقطفِ الزيتون.
وقد أجهزوا فيه على 3500 شجرة في أسبوعين، في هجماتٍ مسلّحةٍ، منعوا في بعضِها المزارعين من الوصولِ إلى حقولِهم، سيّما القريبةِ من جدارِ الضمِّ والفصلِ العنصريِّ الذي يحاصرُ 40 ألف دونم زراعيّة، من بين 90 ألف دونم لا يستطيعُ الفلاحون الفلسطينيون قطفَ الزيتونِ فيها.
وتحْدُثُ اعتداءاتُ هؤلاء بتسهيلٍ من جيشِ الاحتلالِ، حين يَعْتقلُ ويلاحقُ كلَّ فلسطينيٍّ يدافعُ عن أرضِه، وحين يُطلقُ الأعيرةَ الناريّةَ التحذيريّةَ، ليخيفَ المزارعين الذين يتقاطرونَ إلى حقولِهم لقطفِ زيتونِهم.
وهو ما تواجِهُهُ حملاتُ تطوِّعٍ بادَرَ إليها ناشطونَ فلسطينيون في غيرِ منطقة، يُعاوِنُهم مناصرون إسرائيليون أحياناً، لمساعدةِ المزارعين في القطفِ والتصدّي للاعتداءات، بتشكيلِ دروعٍ بشريةٍ ضدّ المستوطنين وقوات الجيش.
أتلفَ المستوطنون مليوناً و300 ألفَ شجرةٍ في فلسطين، معظمُها أشجارُ زيتون، في السنواتِ العشرِ الماضية. ونَشَرَت «معاريف»(!) لبعضِهم بياناً، قبل أيام، يُطالبون فيه بعدمِ السّماحِ للفلسطينيين بقطفِ زيتونِهم، واعتبارِ كرومِهم وحقولِهم «غنيمةً خالصةً» للمستوطنات.
وجرّاءَ هذه الحربِ الإسرائيليةِ المُسْتَعِرةِ ضدَّ الخيرِ في حقولِ الفلسطينيين، أُفيدَ بأنَّ كميّةَ الزيتِ المنتجةِ العام الحالي لن تَزيدَ عن ستّةِ آلافِ طن، ما لا يُساوي 15% ممّا يتمُّ إنتاجُه سنويّاًّ. والمعلومُ أنَّ 10 آلاف شجرةِ زيتونٍ مزروعةٌ في 938 ألف دونم، تُنْتِجُ 24 ألف طن زيت في السنواتِ الجيّدة.
يأخذُنا الحديثُ عن خيرِ أرضِ فلسطين إلى ما كانت عليهِ قبل الاحتلال البغيض، فنقرأُ أنّ القنصلَ البريطاني في 1893 نَصَحَ حكومتَه باستيرادِ أشجارِ الفاكهةِ من يافا، لتحسينِ الإنتاجِ في أُستراليا وجنوبِ إفريقيا. ونقرأ اعترافَ المؤرِّخ الفرنسي بول ماسون بأنَّ استيرادَ القمحِ من فلسطين أَنقذَ بلادَه من مجاعاتٍ.
ونقرأُ وصفَ الإنجليزيِّ جورج سانديز في 1615 فلسطينَ بأنّها «الأرضُ التي تسيلُ حليباً وعسلاً، حيث لا بقعةَ فيها تخلو من النفعِ والحبور». ووصفَ مبعوثٍ بريطانيٍّ الساحلَ الجنوبيَّ من فلسطين في 1859 بأنّه «محيطُ عُبابٍ من الحبوب».
ونقرأ أنَّ 600 ألفَ دونم من الأراضي المزروعةِ بالزيتون أنْتجَت 80 ألفَ طنٍّ من الزيت في 1945، وأنَّ فلسطين صَدّرت 15 مليون صندوقٍ من الحمضيات في 1939.
ونقرأ أنَّ رحالةً اسمُهُ لورنس أوليفانت أُصيبَ بذهولٍ في1887، لمّا أطلَّ على أحدِ وِديانِ فلسطين، فأبْصَرَ «بحيرةً هائلةً خضراءَ من سنابلِ القمحِ المتموجّةِ، وروابيَ متوجّةٍ بالقرى تنهضُ من قلبِها كالجُزُر، وصورةً مذهلةً عن خصوبةٍ عامرة». ونقرأ أنَّ القنصلَ الأميركي في القدس في 1856 اقترحَ استفادةَ مزارعي الحمضياتِ في فلوريدا من التقنيّاتِ الفلسطينيّةِ في التطعيم.
ذلك في تاريخٍ بعيد، أمّا قبل أيام، فذكرت مؤسسّةُ «أوكسفام» أنَّ زيتَ الزيتون الفلسطينيِّ من الأفضلِ في العالم إذا تمَّ إنتاجُه بمعاييرَ عالية، ويستطيعُ أن يكونَ منافساً أساسيّاً في أسواقِ الزيتونِ العالميّة.
وأوردَتْ كيفياتٍ إنتاجيّةً أَفضَلَ لاستفادةِ الاقتصاد الفلسطينيِّ من قطاعِ زيتِ الزيتون الذي يُسْهِمُ بنحو مائة مليون دولار لبعضِ أفقرِ المجتمعاتِ السكنيّةِ الفلسطينيّة، بحسبِ تعبيرِ المؤسّسةِ في تقريرٍ لها أحاطَ بالمعوقاتِ الإسرائيليّة التي تُقيّدُ قدرةَ المزارعين الفلسطينيين على الوصولِ إلى أراضيهم وإلى الأسواق.
في إشارةٍ إلى الحربِ التي يَشَنُّها المستوطنون وجيشهم بجنونٍ محمومٍ ضدّ الزيتونِ الفلسطيني، لأنَّ شجرتَهُ تدلُّ على الارتباطِ المؤكّدِ لأصحابِها بأرضِهم، ولأنّها من تفاصيل فلسطين، ذاكرةً وأرضاً ووجوداً وتاريخاً، فيما أولئك طارئون، ويريدونَ بلا ذاكرةٍ وتاريخٍ وأرضٍ لهم افتعالَ وجودٍ لهم، بالعدوانِ الهمجيِّ ضد أطيبِ الشجر، ذي الكبرياءِ والألفةِ والبهاء.