صدر أحدث تقرير للوظائف في أميركا أخيراً. وبشكل عام، تم فقدان 95 ألف وظيفة أخرى خلال شهر سبتمبر الماضي. ربما يجدر بهم أن يشرعوا في تسميته تقرير اللاوظائف.

وفي تحليل أجراه الكاتب الصحافي الأميركي «عزرا كلاين» للأرقام التي وردت بالتقرير،يشرح السبب في أن إضافة 64 ألف وظيفة بالقطاع الخاص لا تعد كافية على نحو بائس، ويقول :

«إن ذلك يعادل ما يقرب من 35 ألف وظيفة أقل من عدد 100 ألف وظيفة التي تحتاجها أميركا لكي تتوافق مع النمو السكاني. وما يقرب من 180 ألف أقل من العدد المطلوب للعودة إلى معدل البطالة الذي يبلغ 5% خلال السنوات العشر المقبلة».

وبمعنى آخر، فإن الاقتصاد لن يعود إلى حالته قريباً. حتى على أسوأ الأحوال، فيبدو أن واشنطن ليست مهيأة لمهمة توفير الظروف لنمو الوظائف الذي تحتاج إليه أميركا أشد الاحتياج. وفي الوقت الذي نجد أنفسنا في أشد النطاقات سخافة من الموسم الانتخابي السخيف، فإنها لا تلهم الثقة في الحكومة القادمة في الثاني من نوفمبر سوف تفعل أي شئ أفضل.

و السخرية العميقة لا تعتبر استجابة غير معقولة. ولكن يسرني القول إن مئات الألوف من الأميركيين على امتداد الولايات المتحدة يختارون الرد بالمبادرة إلى التحرك. ونتيجة لذلك، يجري إنشاء اقتصاد موازٍ من قبل الناس، الذين قرروا إيجاد الواظائف الخاصة بهم،حيث وجدوا أنه ليست هناك وظائف.

من خلال الاستخدام الإبداعي للتكنولوجيا، ووسائل الإعلام الاجتماعي والتركيز على المجتمع، فإن هذه الموجه الجديدة للأعمال التجارية الصغيرة تترك بصماتها في لقاء حقيقي لأحزاب اليمين واليسار. في الوقت الحاضر، ربما تكون حكومتنا قد تكون لا يمكن أن تفعل، لكنها المزيد والمزيد من مواطنينا إيريبريسيبلي الأميركية وصلابة الحماس.

الأميركيون لديهم كثير من العاطفة والبراعة، وهناك سوق واضحة في المساعدة في تقديمهم للسوق. لتدخل موقعي «إتسي.كوم» و«كافي بريس.كوم»، اللذين صارا ينموان بقدر كبير بما يكفي أن يكون لأن يكون لهما تأثير مضاعف على امتداد أميركا.

تم تأسيس موقع «إتسي.كوم» في عام 2005 على يد «روبرت كالين». وكان عمره وقتها 25 عاماً. وكان مصمم أثاث طموحاً يشعر بالإحباط من محاولته لبيع عمل له على الانترنت. لذا،فقد أنشأ منصة مبسطة للسلع المصنوعة يدوياً بجميع أنواعها، وأطلق المنصة من شقته.

ولكن ماذا عن مهمة الموقع؟ إنها «تمكين الناس من كسب العيش من خلال صناعة الأشياء، وإعادة الربط بين المصنعين والمشترين.ورؤيتنا هي أن بناء اقتصاد جديد وتقديم خيار أفضل «. هو بالضبط الأمر الذي يقوم به الموقع.

تعيش «كولن فيلدز» 54 عاماً، في بلدة نائية في جبال ولاية نورث كارولينا. وقبل عامين تم تسريحها من وظيفتها كمدير لقسم الاشتراكات بإحدى الصحف. وتقول «فيلدز» لمدونة «هافنغتون بوست»: لابد أنني قد أرسلت ألف نسخة أو اكثر من سيرتي الذاتية وطلبات التوظيف. وتقدمت بطلب للحصول على وظيفة في أحد المتاجر الصغيرة، وقالوا إن لديهم ما يزيد على 200 طلب عمل. إنه مجرد جنون. لا توجد وظائف في هذه المنطقة».

اقترح عليها صديق بأن تبحث في موقع «إتسي». ورغم أنها ليست جاهلة بالضبط بمهارات الكمبيوتر، إلا أنها قامت بمحاولة. في ديسمبر 2009، أطلقت متجرها الخاص على الانترنت، باسم «الأحجار الكريمة والسلاسل» لبيع القلائد والأقراط والمزهريات الفخارية المصنوعة يدوياً. وكتبت عن الطريقة التي تتبعها بعض النساء لسداد فواتير أسرهن عن طريق الشركات الصغيرة التي بدأت من خلال الموقع.

في عام 1999، بدأت شركة «كافي بريس». واتخذت من مدينة سان ماتيو بولاية كاليفورنيا مقراً لها، حيث توفر الشركة الطباعة بحسب الطلب على الاكواب والقمصان والمنتجات المصممة من قبل المستخدمين. واتخذت شعار «توحيد ومكافأة التعبير عن الذات».

والآن تنفرد الشركة ببلوغ عدد زوارها 11 مليون زائر شهرياً، ومع وصول عدد مستخدمي منتجاتها إلى 5 .6 مليون مستخدم، فإن الشركة تضيف حوالي ألفي فرع جديد، و45 ألف منتج خاص بها كل يوم.

من السمات المميزة لهذ الحركة الحرة الانتماء إلى المجتمع المحلي، بما في ذلك التأكيد على الأغذية المحلية والزراعة المحلية والممارسات التجارية المستدامة. ومن مفارقات هذه الموجة الجديدة للأعمال التاجرية الصغيرة أهمية امتداد النطاق العالمي إلى شبكة الانترنت في ربط الناس بمجتمعاتهم المحلية.

«جودي ويكس»، صاحب «مقهى وايت دوغ» الشهيرة في مدينة فيلادلفيا، قامت بتأسيس تحالف الأعمال للاقتصادات المحلية الحية (بالي) الذي أصبح يمتلك الآن 80 فرعاً محليا داخل الولايات المتحدة وكندا. ومن اجل الترويج لمنهج الغذاء المحلي لمقهى «وايت دوغ»، قامت «ويكس» أيضاً بتأسيس مقهى «فير فوود» الذي يربط المزارع العائلية المحلية بسكان المدينة.

في مدينة «ليكسنغتون» بولاية كنتاكي، يعد متجر «فريش ستوب» محاولة لجلب منافع الزراعة المدعومة من المجتمع المحلي إلى أولئك الذين لا يستطيعون عادة الحصول عليها. ومن خلال الشراكة مع الكنائس، طلب المتجر من أولئك الذين يستطيعون الحصول عليها دفع مبالغ اكثر قليلاً مقابل ما يشترونه، الأمر الذي يقدم دعماً مالياً لأولئك الذين سيكون الغذاء الطازج والصحي بعيد المنال بالنسبة لهم بدون ذلك.

وأنا أحب مدى إنسانية هذه الحركة. فهي تدعمها التكنولوجيا، ولكنها في جوهرها تعتبر شخصاً حقيقياً يتواصل مع شخص حقيقي آخر. وكما قال «بيز ستون» كؤسس موقع تويتر عن شركته: «إن الموقع ليس انتصاراً للتكنولوجيا، ولكنه انتصار للإنسانية».

إن التكنولوجيا هي ما ستتيح لهذه الحركة المعرفة في طابعها الأميركي تحسين مستواها والبدء في أن يكون لها تأثير حقيقي. ولكنها تبدأ في أفنيتنا وأقبيتنا.

لقد كتب «إدموند بيرك» يقول: «إن التلاحم مع المجموعة الصغيرة، وحب الفصيلة الصغيرة التي ننتمي إليها في المجتمع، هو المبدأ الأول (البذرة إذا جازالتعبير) للعاطفة العامة». إنه «الحلقة الأولى في السلسلة التي نمضي بواسطتها نحو حب وطننا والبشرية».

رئيسة تحرير صحيفة «هافنغتون بوست» الأميركية

opinion@albayan.ae