على ما يبدو أن رواسب الحرب الباردة منتشرة حتى في أروقة المنظمات الدولية، هذه المنظمات التي تخرج تقاريرها عن الدول مدبجة بتوجهات سياسية وأيديولوجية تفقد هذه التقارير مصداقيتها، وقد اعتدنا ذلك دائما في تقارير منظمات حقوق الإنسان.

وظهر هذا أيضا واضحا في تقارير تنمية الموارد البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي نالت روسيا فيها نصيبها من الانتقادات، رغم الإنجازات الكبيرة التي حققتها روسيا خلال العقد المنصرم، وهي الإنجازات التي لم تستطع التقارير إنكارها، لكنها في نفس الوقت تحايلت عليها.

بقراءة بسيطة في تقرير تنمية الموارد البشرية في روسيا، الذي تم استعراض مضمونه في مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نلاحظ الازدواجية الواضحة في التقييم والتي لا يفهم منها الإيجابيات من السلبيات، وقد جاء في التقرير صراحة النص على أن الوضع في روسيا يتسم بالازدواجية.

فمن ناحية تتراجع نسبة الفقر لكن الطبقة الوسطى لا تنمو، ويتحسن مستوى التعليم، لكن نوعية القوة العاملة تبقى متدنية، أما العرض والطلب في سوق العمل فمتوازنان، لكن مردودية العمل في روسيا تقل بأربع مرات عما هي عليه في البلدان المتقدمة، ويرى واضعو التقرير أن لدى روسيا ما تفتخر به في مجال برامج الأمم المتحدة، لكن مواضيع هذا الفخر تعود للمجالات التي كانت البلاد رائدة فيها منذ العهد السوفيتي.

فعلى سبيل المثال تحتل روسيا المرتبة الثانية من حيث نسبة حملة الشهادات العلمية التي لا تقل عن التعليم المهني المتوسط، وتبلغ هذه النسبة في روسيا 48%، وتأتي في المرتبة الثانية في هذا المجال بعد كندا، كما أن الفتيات الروسيات أكثر طموحا للسير في طريق العلم من الشبان، فنسبة حملة الشهادات العليا من الجنس اللطيف تزيد مرة ونصف المرة عن نسبتهم من الجنس الخشن.

لكن هذا التفوق يقتصر على قطاع الأعمال الخاصة فحصة النساء في إدارة الشركات غير الحكومية تبلغ نسبة 42% ما يجعل روسيا متقدمة على غيرها في هذا المجال، لكن الصورة تبدو معكوسة في القطاع العام، ففي مجلس الاتحاد الروسي ثمة 7 نساء فقط من بين 164 عضوا، وتبلغ نسبتهن في مجلس الدوما 14%، وعلى أية حال فإن البرلمانيات الروسيات لا يعانين من التمييز في المرتبات.

أما على مستوى البلاد ككل فتشكل مرتبات النساء ما نسبته 65% من مرتبات الرجال، ومن ناحية أخرى فإن متوسط عمر الرجل في روسيا لا يتجاوز 62 عاما بينما يبلغ هذا المؤشر في بلدان الاتحاد الأوروبي 77 عاما.

وأشار التقرير إلى أن نسبة وفيات النساء أثناء الحمل والولادة لم تنخفض بالرغم من افتتاح مراكز طبية مجهزة بأحدث التقنيات في جميع أنحاء البلاد، كما تعاني روسيا من انخفاض نسبة الولادات وارتفاع نسبة الوفيات، ويعزو التقرير السبب الرئيسي في وفيات الرجال ونقص المواليد إلى الإفراط في تناول المشروبات الكحولية والتدخين وإدمان المخدرات.

من يقرأ التقرير يخلص لاستنتاج واحد هو أن كل ما هو جيد في روسيا هو سيء في نفس الوقت، فتراجع نسبة الفقر يقابله أمر وهمي غير محدد هو غياب الطبقة المتوسطة، ولا ندري وجه الترابط بينهما، وتحسن مستوى التعليم يقابله تدني الحرفية في العمل، ولا ندري كيف يكون ذلك.

إذ كيف نقول ان مستوى التعليم جيد إذا كان النتاج متدنيا، ويرى التقرير أن ما تفتخر به روسيا الآن هو من إنجازات العهد السوفييتي، وهذا أمر مثير للدهشة إذ أنهم في الغرب لا يرون أن الاتحاد السوفييتي قدم للشعب الروسي أي شيء يفتخر به، فلماذا يستشهدون بالعهد السوفييتي الآن؟

، ويقر التقرير بأن روسيا هي الأولى في العالم في تواجد النساء في إدارات الشركات الخاصة، لكن الأمر ليس كذلك في الشركات الحكومية، وهذا أمر أكثر غرابة أن يهتم واضعو التقرير من الدول الرأسمالية بشركات الحكومة.

وهم الذين يطالبون برفع يد الدولة تماما عن الاقتصاد، أما العجز في نسبة النساء في البرلمانين الروسيين فلا يرجع لانتقاص في حقوق المرأة الروسية، بل يرجع لطبيعة المرأة الروسية نفسها التي تنفر من العمل السياسي.

واضعو هذه التقارير لا يهمهم ما سيقال عن مدى مصداقيتهم، بقدر ما يهمهم خدمة بعض الجهات التي تستخدم هذه التقارير لتشويه سمعة دول معينة لا تروق سياساتها لهذه الجهات.

كاتب روسي

Luon1935@kin.ru