قبل أن تنضج معالم التسوية السعودية ـ السورية حول العراق، لن يكون في وسع احد أن يجزم بالحال الذي سيتخذه الوضع في لبنان، توافقاً أم تأزماً. هذه هي الخلاصة التي خرج بها المراقبون السياسيون بعد أسبوع كثيف من اللقاءات السياسية كان محورها زيارة الرئيس الإيراني احمدي نجاد إلى لبنان وسلسلة المواقف التي عبر عنها، وانعقاد القمة السعودية ـ السورية المفاجئة وزيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية السفير جيفري فلتمان إلى بيروت وما أفصح عنه من مواقف أميركية حيال الدعم الأميركي المستمر للمحكمة الدولية ولاستقرار لبنان وسيادته.

نقطة البداية من العراق: ففي معلومات دبلوماسية متواترة بلغت بيروت في الأسابيع الأخيرة أن العلاقة السعودية ـ السورية قد اضطربت (من دون ان تبلغ نقطة الخطر) بسبب التباين في المواقف من حكومة الرئيس العراقي نوري المالكي بين تأييد سوري ـ إيراني معلن له وتحفظ سعودي بلغ مشارف الرفض.

وتضيف هذه المعلومات أن رقعة التفاهم السعودي ـ السوري قد تقلصت كثيراً بعد التباين في المواقف من مسألة المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية ومن مسألة العلاقة مع مصر (تعمل السعودية على استعادة مثلث التفاهم السعودي ـ المصري ـ السوري من غير نجاح كبير حتى الآن) ومن مسألة العلاقة التي تزداد وثوقا بين سوريا والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

إذن لبنان بات هو نقطة التفاهم شبه الوحيدة بين المملكة وسوريا على قاعدة رفض الفتنة السنية ـ الشيعية والحفاظ على الهدنة السياسية والإعلامية بعيداً عن التشنج والتوترات اللفظية. لكن هذا التوافق على أهميته ومركزية الاتفاق على الهدنة الداخلية لا يكفي لا يجاد حلول لعدد كبير من القضايا العالقة والمسائل الخلافية منها على سبيل المثال:

- ماذا سيحدث في جلسة مجلس الوزراء حول «شهود الزور»؟ هل سترجأ المسألة/ أسبوعا آخر لعل المشاورات الداخلية توجد حلا توافقياً ما؟

- ما هو مصير المذكرات القضائية التي أصدرتها السلطات السورية في حق شخصيات سياسية وقضائية وإعلامية جلها مقرب من دائرة الرئيس رفيق الحريري؟ هل سيتم العثور على مخرج سياسي ـ قضائي يكون بمثابة رد الاعتبار إلى الرئيس الحريري الذي شكلت الذكريات صفعة سياسية غير متوقعة له لا من حيث حدتها ولا من حيث توقيتها؟

- هل يمكن أن نتوقع بعد هذا التطور السلبي من جانب سوريا حيال الرئيس الحريري أن يقوم بزيارة جديدة إلى دمشق، تجاوزاً لما جرى قبل أن يحصل على «ترضية معنوية» ما لا تبدو ملامحها في الأفق؟

- هل ينعقد الاجتماع الذي طال إرجاؤه بين الرئيس الحريري والسيد حسن نصر الله، أم تستمر الاتصالات بين الجانبين عبر قناتي الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط، كما يجري اليوم؟ هل يمكن أن يحصل الاجتماع بعد الامتعاض الذي أشاعته خطابات الرئيس الإيراني في ملعب «الراية»،وفي بنت جبيل، رغم المحافظة على التشكليات الدبلوماسية التي لم تحجب هذا الامتعاض في محيا الرئيس الحريري خلال جميع اللقاءات التي جمعته بالرئيس الإيراني؟

- ما هي الانعكاسات التي ستترتب على زيارة الوفد الأميركي، وهل تضيف إرباكا إضافيا إلى المشهد السياسي اللبناني يستقوي بها من يستقوي ويهاجمها من يهاجمها؟

- هل ستنعقد القمة اللبنانية ـ السورية التي يروج لها كثيراً وتنجح في إيجاد مخارج ولو مؤقتة لعدد من المسائل العالقة في مجلس الوزراء من مثل التعيينات في جهاز قوى الأمن الداخلي ومستقبل تمويل المملكة ذات الطابع الدولي، ومسألة تسليح الجيش اللبناني وسائر القوى العسكرية؟

من جديد، تعود أزمة لبنان لتشكل بنداً ثانوياً في أزمة المنطقة كلها ومن جديد ينتظر اللبنانيون حلا «يجود» به الخارج عليهم لأنهم لم يعرفوا أن يؤسسوا دولة ولا أن يوالوا وطنا هو وطنهم.

وسط الأبناء والتحليلات المتباينة عن الأوضاع التي سيذهب البلد في اتجاهها، عمدت قوى إعلامية مقربة من «حزب الله» وشديدة الصلة بقيادته إلى الترويج لأربعة احتمالات أو سيناريوهات حيال التطورات التي ستترتب على صدور القرار الظني في كانون الأول (ديسمبر) كما هو متوقع.

السيناريو الأول: هو السيناريو الأكثر سوءا في اعتقاد الهيئة المقربة من «حزب الله»، وهو عنوانه أن يقوم المناهضون للحزب بالاستيلاء على مفاتيح السلطة في طرابلس وعكار والبقاع الغربي وبعض الشمال (الضنية) ردا على ممارسة حزب الله السلطة في الجنوب والبقاع الشمالي (بعلبك والهرمل) وتعتمد القوة العسكرية التي ستقوم بالاستيلاء على السلطة على «الأصولية الجهادية» السنية الأمر الذي يفضي إلى «عرقنة» لبنان.

السيناريو الثاني: هو السيناريو الأقل سوءا، وعنوانه إشهار العصيان المدني في وجه الحكومة وعدم الاعتراف بشرعية سلطتها مع ما يصاحب ذلك من اضطرابات أمنية وقد يكون المخرج في هذه الحال، الدعوة إلى انعقاد قمة «دوحة ثانية» أو إعادة البحث في صياغة طائف جديد للسلطة.

السيناريو الأكثر احتمالا برأي هذه القوى هو التوصل إلى تسوية خارجية بين المملكة العربية السعودية وسوريا، بموافقة مصرية ـ فرنسية أميركية بحيث يتم التراجع عن الموقف المؤيد للمحكمة ويجري اختيار رئيس حكومة جديد بموافقة الرئيس سعد الحريري يمهد لعودة الحريري نفسه بعد تنفيذ هذه التسوية الدولية، وبعدما يكون القرار الظني قد صدر بعيداً عن وجود الحريري نفسه في رئاسة الحكومة.

السيناريو الرابع (تصفه الأوساط نفسها بأنه الأمثل) ويقضي باتفاق القوى السياسية المختلفة على أن المحكمة مسيسة وان الحل الجدي هو بإعادة تسليم المحاكمة إلى المجلس العدلي اللبناني حتى ولو استمرت المحكمة الدولية شكلا باعتبار أن حلها قانونيا رهن بقرار مجلس الأمن الدولي، وليس بالحكومة اللبنانية.

ويبدو من خلال هذه السيناريوهات المتفاوتة في حظوظها أن ميل «حزب الله» أو الجهات التي تناصره هو إلى تنحية الرئيس الحريري عن السلطة ولو مؤقتا وبموافقة ضمنية منه حتى يمكن استقبال مفاعيل القرار الظني بأقل أضرار ممكنة على مستوى الأمن والاستقرار.