يعتبر إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين سابقة لم تسبقها أية حادثة في التاريخ العربي المعاصر، وإن كنا نعتبر الاغتيالات السياسية التي وقعت لزعماء الأمة نوعاً من أنواع الإعدام أو التصفية الجسدية التي أفضت لموت علني وبطريقة فجّة، لكن العراق الجديد وخلال الاحتلال الأميركي قام بمسرحة اغتيال الرئيس صدام من خلال المحكمة الجنائية العراقية المختصة التي تشكلت في العراق عقب غزو العراق 2003 وبموجب القانون رقم 1 من قبل مجلس الحكم في العراق الذي كان تحت سلطة الائتلاف المؤقتة.

وبموجب الأمر (48) الصادر من المدير الإداري لسلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر، تأسست المحكمة استنادا إلى أحد بنود قانون إدارة الدولة للفترة الانتقالية في العراق، والذي كان بمثابة دستور مؤقت للعراق، واعتبرت المحكمة نفسها مختصة في «جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب ضد جمهورية إيران الإسلامية أو دولة الكويت.

وشملت كذلك الجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي بعربه وكرده وتركمانه وأشورييه، وباقي القوميات، وشيعته وسنته؛ سواء ارتكبت في نزاعات مسلحة أو غير ذلك». وكانت قراراتها تطبق على «الجرائم التي ارتكبها عراقيون أو مقيمون في العراق ضمن الجمهورية العراقية أو خارجها خلال الفترة الممتدة في الفترة من 1968 ولغاية 2003»، ويفهم من التاريخ أن المحكمة وضعت حقبة حكم حزب البعث برئاسة صدام حسين كاملة أمام القضاء الذي أصدر حكمه النهائي في نوفمبر 2006 القاضي ب«الإعدام شنقاً على المدان صدام حسين».

وبإسدال الستار على هذه الحقبة استبشر بعض الناس خيراً في انفراج الأمور ووضع الكثير من القضايا في نصابها الصحيح، ولعل في هذه الخاتمة لرئيس عربي عراقي عبرة لكل خلفائه الذين سيأتون بعده ويحكمون العراق ويتحملون أمانة ضخمة ومسؤولية مفزعة، نظراً لخصوصية هذا القطر العربي المتأجج بمشاكله الطائفية والإثنية، والذي يرقد في الوقت نفسه على بحيرة بترولية تصنفه ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، مما يجعله مطمعاً وصيداً قد يكون سهلاً في حال سقوطه في براثن الفتن.

ولكن ما حدث بعد ذلك يضع تاريخ العراق قبل الاحتلال في كفة وبعد الاحتلال في كفة أخرى، فالحكم على حقبة صدام حسين بكل تفاصيلها الدامية قد لا يتناسب مع ما حدث ويحدث لاحقاً، فالوضع بشهادة الجميع أصبح وضعاً مأساوياً دموياً طائفياً، ورائحة الفساد السياسي تزكم الأنوف، ولم يتحقق الحلم في جعل العراق الحزين مبتهجاً ومستبشراً بمستقبل أكثر إشراقاً، فالتعطيل الدائم للإرادة في مناحي الحياة المختلفة أصبح يشكل تحدياً للعراقيين الراغبين في ممارسة حياتهم بصورة طبيعية دون خوف أو رهبة.

ناهيك عن الملفات التي تم فتحها في مجال حقوق الإنسان والمواطنين الذين انتهكت حرياتهم ودفعوا حياتهم ثمناً للمغامرات السياسية من قبل بعض المتنفذين. واليوم يماط اللثام عن بعض الحقائق التي ظلت مغيبة لفترات زمنية، والتي قد تسقط مصداقية كثير من المتشدقين بحفظ أمن العراق، وعلى رأسهم رئيس الوزراء نوري المالكي المنتهية ولايته.

والذي كشفت بعض الوثائق الأميركية الجديدة عن تورطه في ما يعرف بإدارة فرق للقتل والتعذيب، كما كشفت هذه الوثائق عن تستر الجيش الأميركي على التعذيب داخل السجون العراقية، وعن حالات من القتل والتعذيب والإساءة للمدنيين على أيدي القوات العراقية.

وتثبت الوثائق أن عدد القتلى من المدنيين العراقيين أعلى بكثير مما هو معلن، كما تكشف معلومات جديدة عن ضحايا شركة «بلاك ووتر» من المدنيين، إلى جانب معلومات عن دور سري لإيران في تمويل وتسليح المليشيات الشيعية. هذه الحقائق التي نشرها موقع «ويكيليكس» وضعت الإدارة الأميركية في وضع محرج أمام المجتمع الدولي، دفع «كلينتون» إلى إدانة تسريب هذه الوثائق، نظراً لأنه قد يعرض الجنود والعاملين الأميركيين للخطر ويهدد الأمن القومي الأميركي وأمن «أولئك الذين نعمل معهم».

لكنه دفع من جانب آخر بعض المنظمات الإنسانية، وعلى رأسها منظمة «هيومن رايتس ووتش»، لاتخاذ موقف صريح طالبت فيه العراق بالتحقيق في الوثائق السرية الأميركية التي كشفت أن قواته مارست أساليب تعذيب وإساءة منهجية للمعتقلين.

أما تعليقاً على هذه الوثائق الصادمة للبعض والمتوقعة من قبل البعض الآخر، فقد خرج نوري المالكي عن صمته حين استنكر توقيت التسريب، والذي وصفه بأنه محاولة للإضرار بمجهوده لتشكيل حكومة جديدة في العراق عبر «تأجيج الغضب ضد الأحزاب الوطنية وزعمائها، خصوصاً ضد رئيس الوزراء».

ولم تقف الوثائق عند هذا الحد، فقد أطلت على الدور الإيراني في العراق وتوغله في العمق الأمني من خلال قيام الحرس الثوري الإيراني بقيادة عمليات اغتيال في المدينة، وأشارت إلى أن خمس مليشيات شيعية، منها منظمة بدر وحزب الفضيلة، تلقت الأوامر مباشرة من طهران.

وهي التي أصبح بعض أفرادها عناصر في الشرطة العراقية، واللافت أن التقارير السرية في حالة إيران تذكر أسماء عملاء تقول إنهم ضباط مخابرات إيرانيين كانوا يعملون بشكل يومي في العراق، وأن بعضهم متورط في شن هجمات بالصواريخ على المنطقة الخضراء، علاوة على إقامة نقاط تفتيش مشتركة في المناطق الشيعية يشرف عليها عناصر أمن إيرانيون، بوجود عناصر من جيش المهدي ومنظمة بدر.

والمستغرب أن يظل العراق مشاعاً لهذا الحد، علاوة على تبديد ثرواته وانهيار اقتصاده وتواطؤ بعض أبنائه في خرابه، فهذا الوضع المزري أدعى ما يكون لإيجاد رادع فوري وتدخل دستوري لتوفير محكمة جنائية تتكفل بمحاكمات عادلة لهذه الأطراف التي دمرت حاضر العراق ومستقبله.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com