لا أحد في روسيا ينكر أن الاقتصاد الروسي ينهض الآن ويواجه ظروف الأزمة العالمية معتمداً فقط على تصدير الخام، وخاصة النفط ويليه الغاز، ولا توجد مصادر أخرى واقعية للموازنة الروسية سوى ذلك المصدر.

وهذا في حد ذاته لا يشكل مشكلة على المدى القريب، لكنه بالقطع أمر لا يجب استمراره لأكثر من عشر سنوات قادمة فقط، ذلك أن احتياطيات النفط والغاز المتاحة حالياً للإنتاج تنفذ تدريجياً.

كما أن أسعار الخام غير مضمونة على المدى البعيد وقابلة للتقلبات الحادة، ولهذا نلاحظ أن أهم الانتقادات التي توجه للنظام الحاكم في روسيا، وخاصة لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين هي الاعتماد فقط على تصدير الخام.

والبعض يطالب بالاستثمار في مشاريع البتروكيماويات بدلاً من تصدير خام النفط بهذه الكميات الهائلة، ومن المعروف أن روسيا أصبحت على رأس قائمة مصدري النفط في العالم بعد أن تجاوزت هذا العام المملكة السعودية مرتين.

ورغم زيادة صادرات النفط، ورغم ارتفاع أسعاره بشكل كبير عن العام الماضي، إلا أن الموازنة العامة في روسيا تواجه عجزاً غير عادي. قضية العجز المزمن في الموازنة الروسية، تبرز أن العجز في موازنة العام القادم سوف يشكل نسبة 6, 3% من الناتج الإجمالي المحلي. وفي موازنة عام 2012، سوف يشكل نسبة 1, 3% وفي العام الذي يليه سوف يشكل نسبة 9, 2% من الناتج الإجمالي المحلي.

وتوضح أن هذه التنبؤات بنيت على أساس متوسط سعر برميل النفط من نوع «يورالس» يساوي 75 دولاراً العام القادم و78 عام 2012 و79 دولاراً عام 2013. في هذا السياق، تنقل الصحيفة عن وزير المالية اليكسي كودرين أن الأسعار المذكورة، تعتبر مرتفعة بما فيه الكفاية حتى بالمقارنة مع الأعوام العشرة الماضية.

وعلى الرغم من ذلك فإن التغلب على العجز في الموازنة بالكامل، يتطلب أن يتجاوز سعر برميل النفط 100 دولار، وأن يصل تحديداً إلى 109 دولارات. وتعليقاً على تصريحات كودرين، يرى الخبراء أن إنقاذ الموازنة الروسية من براثن العجز، يقتضي ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد.

لكن الخبراء لا يتوقون حدوث مثل هذا الارتفاع. حيث تشير توقعات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن وتيرة الطلب المتوقعة غير كافية لرفع أسعار النفط بالشكل الذي تتمناه وزارة المالية الروسية. وترى الوكالة أن الطلب على الذهب الأسود سوف يرتفع العام المقبل بنسبة واحد ونصف بالمائة فقط.

وتصب في هذا الاتجاه تنبؤات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي تتوقع أن يزداد الطلب على النفط بنسبة واحد وستة أعشار بالمائة، بحيث يصل سعر البرميل من نفط غرب تكساس الوسيط إلى 82 دولاراً. وهذا الرقم قريب من السعر المتداول حالياً في أسواق النفط العالمية.

وهذا يعني أنه من الخطأ عقد الآمال على توفر مصادر إضافية للموازنة الروسية. ويلفت الخبراء إلى أن أسعار النفط ما بين العامين 2005 و2010 كانت في ارتفاع مستمر، باستثناء عام 2009 الذي شهد فترة من الانخفاض. لكن وضع الموازنة في تلك الفترة كان يزداد سوءاً مع مرور الوقت. الأمر الذي يؤكد أن ارتفاع أسعار النفط لا يضمن الاتزان في الموازنة.

ويرى بعض الخبراء أن الحكومة يمكن أن تلجأ إلى صندوق احتياطي الموازنة الروسي لسد العجز. لكن احتياطي الموازنة الروسي لا يتجاوز المليار و260 مليون دولار، في حين أن العجز في موازنة العام المقبل فقط، من المتوقع أن يصل إلى مليار و300 مليون دولار. أي أن احتياطي الموازنة الروسي سوف ينفذ خلال عدة أشهر.

وهذا يعني أن على الحكومة أن تختار بين اثنين؛ فهي إما أن تغير سياستها في تكوين الميزانية، أو أن تلجأ إلى الاقتراض.

ويرى بعض خبراء الاقتصاد أن الحل الأمثل لهذه المعضلة يتلخص في تخفيض الإنفاق. فإذا قلت المصروفات يمكن التغلب على العجز في الموازنة. وإذا لم يتم تغيير السياسة المتبعة في الميزانية فإنه لا يمكن التغلب على العجز مهما ارتفعت أسعار النفط.

لكن غالبية المراقبين يستبعدون أن تسلك الحكومة الروسية ورئيسها بوتين نهج تقليص الإنفاق الاجتماعي قبل العام 2013 ذلك أن أصحاب القرار سوف يكونون منهمكين في التحضير للانتخابات خلال العامين القادمين، ولن يكون لدى أي منهم استعداد لإغضاب الشعب بتقليص الإنفاق الاجتماعي، وإلا انهارت شعبيتهم قبل الانتخابات، وربما يواجهون ما واجهته اليونان وما تواجهه فرنسا الآن من تذمر شعبي كبير.

خبيرة الطاقة الروسية

jannamarat@km.ru