رئيس فرنسا يعاني منذ توليه زعامة فرنسا قبل ثلاثة أعوام ونصف العام من الصداع السياسي الكامل. فنصف هذا الصداع قد ورثه من قبل أن يتولى رئاسة فرنسا. عندما كان وزيراً للداخلية. والصدامات التي شهدتها فرنسا في تلك الأيام جعلته يقف وجهاً لوجه مع أخطر الجوانب المظلمة من حياة الفرنسيين والمغتربين الذين يعيشون في الجهة الأخرى غير المرئية من القمر.
وبعد ذلك استمرئ الرئيس ساركوزي التحدي مع من أطلق عليهم (الأرذال أو الهمج). وبعد أن أصبح رئيساً للجمهورية، جابه العديد من التحديات، وكان أكبرها مسألة الحجاب الإسلامي وحظره في المؤسسات التعليمية وامتد الأمر ليعمم على الديانات الأخرى ليصبح الشغل الشاغل للجمهورية الخامسة.
ولم ينم ساركوزي هادئ البال وهو يعلم في قرارة نفسه بأن مسألة المساس بالرموز الدينية الإسلامية يشبه اللعب بفتيل قنبلة موضوعة على جانب الطريق قد تنفجر في أية لحظة إذا أسيء استخدامها، هذا إذا علمنا بأن الإسلام يمثل الديانة الثانية في فرنسا بعد المسيحية ويصل عدد المسلمين فيها إلى ما يقارب الأربعة ملايين نسمة أي بنسبة (6%) من عدد سكان فرنسا الإجمالي.
وهذا رقم لا يستهان به. والمواجهة التي أضافت إليه جرعة إضافية من الصداع السياسي تمثل في قراره بترحيل الغجر (أو النور) المخالفين لقانون الإقامة.
وهذه المجموعة من البشر لهم طابع خاص بهم حافظوا عليه على مدى قرون من الزمن، ويطلق عليهم الرُّحَّل، وتدفقوا إلى فرنسا بعد انضمام رومانيا إلى الاتحاد الأوروبي لعدم حاجتهم إلى تأشيرة دخول كما كان في السابق.
وجاء قرار الرئيس ساركوزي أشبه ما يكون بردة فعل رجل عصبي المزاج مصاب بصداع الغرباء والمغتربين أمام هذا السيل من المهاجرين الباحثين عن لقمة العيش، وإذا به يصدر أوامره بترحيل ما يقرب من 700 منهم وإعادتهم إلى من حيث أتوا، رومانيا أو بلغاريا. وإذا بالقيامة تقوم ضد قرار ساركوزي وشنت عليه الصحافة حملة هوجاء واتهمته بالعنصرية والتمييز. وذهب بعضهم إلى تذكيره بأصوله الهنغارية من جهة الأب واليهودية اليونانية من جهة الأم.
وأن عائلة والدته قد تم طردها من أسبانيا في نهاية القرن الخامس عشر لتستقر في إقليم سالونيكي في اليونان. ورغم انحسار موجة الهجوم على الرئيس الفرنسي، إلا أن هناك مرارة شديدة تعاني منها طبقة المثقفين ومنظمات حقوق الإنسان ومحاربة العنصرية في فرنسا. باعتبار أن معظم قرارات الرئيس ساركوزي ظلت موجهة منذ أن دخل عالم السياسة ضد الغرباء والمغتربين والفقراء الذين ربما انتخبوه ولم يقدم لهم في المقابل شيئاً سوى التذمر.
وكتب أحدهم على أحد المواقع الالكترونية موجهاً حديثه إلى ساركوزي قائلاً له بما معناه، إن كنت تعيش في قصر الإليزيه وتنعم بالخدم والحشم والحراسة المشددة وحباك الله زوجة تتمتع بجمال أخاذ، فتذكر أن هناك الملايين من بين الفرنسيين ممن لا يملكون رغيف يومهم ويقيمون في خرائب تعافها الحشرات والحيوانات القارضة. وهكذا حلل الفرنسيون تصرفات رئيسهم بأنها تصدر من رجل يعيش في برجه العاجي كما كان يفعل لويس السادس عشر دون أن يدخل بيوت الفقراء والمعوزين.
الحقيقة هي أن ساركوزي لا هذا ولا ذاك. فهو أيضاً عانى الأمرين حتى وصل إلى ما وصل إليه. ولكنه حريص على إغلاق بوابة فرنسا المشرعة أمام كل من هب ودب. صحيح أنه ذهب بعيداً في بعض قراراته، حتى فسرت على أنها عنصرية، غير أنه كباقي زعماء الاتحاد الأوروبي، يواجهون ضغوطات جمة، وعلى رأسها ضغوطات الأزمة الاقتصادية والبطالة وانتشار المخدرات والجريمة التي قد تحول دولهم إلى ساحة معارك تعيد حضارتهم إلى ما قبل التاريخ.
الصداع الأخير الذي سيدوخ الرئيس ساركوزي في الأسابيع والشهور المقبلة تعديل قانون سن التقاعد. وهذا القانون يحتوي على العديد من التفاصيل التي لا يتسنى ذكرها في هذا المقال. غير أن المهم في الأمر أن الرئيس الفرنسي يواجه اليوم ما كان قد واجهه الرئيس شارل ديغول قبل أكثر من 42 عاماً. فالفرنسيون يختلفون عن الكثير من شعوب العالم، في حبهم الاستمتاع بالحياة قدر المستطاع. وهم ينتظرون السن القانونية للتقاعد بفارغ الصبر.
على عكس شعوبنا العربية التي ترى في التقاعد نهاية الحياة. بينما الفرنسي يخطط قبل فترة طويلة لعدة مشاريع مستقبلية ترفيهية وسياحية وثقافية واجتماعية بعد تقاعده ويحلم بقضاء آخر سنوات عمره بين أسرته ومقربيه. وهذا تماماً ما أكده الرئيس السابق جاك شيراك بعد أن قضى ولايتين رئاسيتين فقط مدة كل واحدة منهما خمس سنوات.
حيث أكد أنه يرغب في التفرغ لكتابة مذكراته ولأسرته خارج إطار الرسميات التي يفرضها عليه منصبه كرئيس دولة. وبالتالي فإن رفع سن التقاعد من 60 إلى 62 سنة وربما أكثر يمثل بالنسبة للفرنسي العادي اقتطاع سنتين مهمتين من عمره.
ساركوزي يحسب ألف حساب لميزانية بلده وما يمكن أن يوفره على هيئة المعاشات بعد الخسائر الفادحة التي مني بها، والشعب الفرنسي يرى في ذلك قراراً يعيده إلى زمن العبودية الذي قضت عليه الثورة الفرنسية ومن ثم ثورة مايو 68.
وأحزاب المعارضة وعلى رأسها الأحزاب اليسارية انتهزت الفرصة لتشل حركة الحياة في جميع أنحاء فرنسا بإضرابات مختلفة شملت كل المؤسسات المهمة والمرافق الحيوية وعلى رأسها التزود بالوقود وتزيد من صداع رئيسها.
النقابات العمالية والطلابية وضعت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في موقف لا يحسد عليه. بينما هو سائر في قراره. وفرنسا تسير في اتجاه آخر، بعد أن كشفت استطلاعات الرأي بتدني شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ توليه الرئاسة في مايو عام 2007، وهي مستمرة في الانحدار.
فمن ينقذ ساركوزي من وجع رأس فرنسا؟
جامعة الإمارات
