بشكل متزامن ولكن على غير اتفاق عالج مصدران رفيعا المقام، أحدهما أوروبي والآخر أميركي، قضية النمو الصيني المطرد في الاقتصادات العالمية مقابل التراجع والارتباك الأميركي.

في باريس أشار تييري دو مونبريال، مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، إلى ما يعتبره ظاهرة ثابتة ومتصلة محورها علو شأن الاقتصاد الصيني لما يقرب من أربعة عقود بمعدل يراوح حول 10%، بينما لم يزد هذا المعدل أميركيا للفترة ذاتها عن 4%.

يرشح مونبريال الصين إلى دور القوة المهيمنة عالميا، بينما يعتقد أن الاختلالات المالية الاقتصادية والمالية العامة ربما ساقت الولايات المتحدة إلى دائرة القوي العادية.وهو يذهب إلى أن مركز القوة الأولى عالميا يليق بالصين بأكثر مما يناسب اليابان..فالصين تملك معطيات سكانية وموارد طبيعية ومساحة جغرافية تؤهلها لهذا المركز قياسا بكل القوى المنافسة.

علاوة على ذلك «ثمة شتات قوامه نحو 50 مليون صيني وراء البحار يضطلعون بدور مالي كبير في آسيا، مما يزكيها كقوة مالية تنافس الدولار (والين) بشكل حقيقي ...«ثم إن الصين، خلافا للدول الغربية على جانبي الأطلسي، تتصدى لمشكلتي البطالة والفقر وتوابعهما بدون انزعاج أو تسرع.

ولعل أفضل ما يمكن العثور عليه من تعليق على الانتشار الثقافي الصيني الزاحف يدور حول ما يقوله هذا الخبير الفرنسي بأنه « ..لا خلاف على رجحان كفة النفوذ الأميركي عالميا، بيد أن الصين تنتهج استراتيجيات تمدد فاعلة في أفريقيا، وطرق وصولها إلى الموارد تتفوق على أساليب الاستعمار الأوروبي أو عمليات التدخل الأميركية تأثيرا وحذقا...«، كأنه يدفع هنا بأن ما فرضه الغرب من ثقافة وما استغله من موارد الآخرين بالحديد والنار، تمضي الصين إلى تحصيله بآليات أكثر ذكاء وقبولا ويسأل عن ذلك المستثمرون والتجار.

المدهش أنه في الوقت الذي كان مونبريال يعرض لهذا التشوف الاستراتيجي، طرح الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون أفكارا مماثلة تقريبا، فحواها أن بلاده راحت تفقد نفوذها كقوة عظمى وحيدة بالنظر إلى النمو الاقتصادي السريع لقوى أخرى كالصين والهند..واعتبر أن الولايات المتحدة بحاجة إلى اصلاحات تضمن ديمومة تقدمها الصناعي.

الشاهد أن تضعضع مساحة القوة الاقتصادية الأميركية بالتوازي والتواكب مع الصعود الاقتصادي الصيني، وبخاصة بعد خروج الصينيين من قمقمهم الجغرافي والتواصل بدأب مع عوالم الآخرين، من الظواهر اللافتة على مدار العقود الثلاثة الأخيرة.

ولا أدل على ذلك من بروز التدافع الاقتصادي بالمناكب بين القوتين على الساحة الأفريقية .وهو أمر صار يغري بعض الاستراتيجيين إلى المبالغة بالقول بأن أفريقيا مقبلة بخطوات حثيثة على العصر الصيني!.

نود القول بأن مداخلتي مونبريال وكلينتون تؤكدان مجددا صحة التوقعات السلبية الموصولة بمستقبل الأحادية القطبية الأميركية. لكن ما ينقصهما هو الاستنكاف عن الاستطراد إلى أسباب النكوص الاقتصادي الأميركي مقابل الازدهار الصيني. وتقديرنا أن الظاهرة لاتعود إلى كسل وتواكل أو اعتلال علمي وتكنولوجي أصاب الأميركيين، مقابل روح وثابة وعقلية إبداعية حطت على الصينيين في الثلاثين عاما الأخيرة . الأمر وما فيه أن الأميركيين باتوا ينفقون بمعدلات تفوق بكثير ما كان عليه حال أية قوة عظمى عرفها التاريخ.

الأميركيون بكلمات أخرى ينتجون كثيرا لكنهم يسرفون في الإنفاق أكثر.. وهم تمددوا وتمططوا استراتيجيا، عسكريا بالذات، بما من شأنه استنزاف أية طاقة استثمارية ولا يسمح بتراكم اقتصادي مالي مستقر قابل للنمو والازدياد عموديا.

الصين لا تعرف هذه الحالة بالمرة.وهي ما انفكت تعزز منظومتها العسكرية، إلا انه تعزيز رشيد لا يتجاوز إلى الطغيان على القطاعات الأخرى أو الاقتطاع من الحصص والمخصصات الاستثمارية لهذه القطاعات.

لنا أن نتصور الفارق بين قوة تنفق ما يقرب من ملياري دولار أسبوعيا على جبهتي أفغانستان والعراق، وزهاء تسعين قاعدة عسكرية في الجهات الأربع، ولديها موازنة عسكرية بنحو 600 مليون دولار سنويا، في مقابل قوة (الصين ) لا تزيد مخصصاتها الدفاعية السنوية عن 60 مليار دولار. هذا مع أن الصينيين أكثر من أربعة أمثال الأميركيين عددا.

تقول الخبرات والتجارب بأن صعود القوى العظمي وانحدارها يرتبطان وثيقا بحبل الاقتصاد والمال متانة وهشاشة . ويقيننا أن مصير التنافس الخشن والناعم بين الولايات المتحدة وبقية منافسيها؛ الصين بشكل استثنائي، لن يكون بدعا من هذا القانون في أجل أو آخر.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com