على مدى قرابة أربعين عاما مضت من الصراع العربي الإسرائيلي ورهان العرب لا يتغير، حيث مازالوا مصممين على أن «99% من أوراق اللعبة بيد واشنطن»، هذه المقولة التي أوصلتنا لما نحن عليه الآن ولم نجن من ورائها شيئا ولم نتقدم معها خطوة واحدة، بل على العكس تراجعنا مئات الخطوات للوراء بينما حقق عدونا الصهيوني من ورائها مكاسب لم يكن يحلم بها يوم تأسيس دولته المزعومة.
أربعون عاما حكم الولايات المتحدة فيها ستة رؤساء وسابعهم أوباما، والعرب يلعنون حظهم مع كل رئيس يرحل ويأملون في القادم بعده، ولكن لا جديد سوى المزيد من الخسائر، وتفاءلنا خيرا بوصول أوباما الأسمر ذي الأصول الأفريقية المسلمة الذي لوح لنا ببعض الأوراق التي قد تساعدنا على الاستمرار في اللعبة الخاسرة، وعندما تجمعنا حوله ووضعنا رهاننا لم نكسب شيئا، واكتشفنا أننا مكلفون مع أوباما بمهمة جديدة لم نُكلف بها مع من سبقه من الرؤساء، وهي مهمة «التلميع».
ولم لا وهو منا، فهو الأسمر ذو الأصول الأفريقية المسلمة، وعلى ما يبدو أننا بدأنا بالفعل في أداء مهمتنا الجديدة، وهو ما أسفرت عنه قمة سرت الأخيرة التي قرر فيها العرب عدم انتقاد الإدارة الأميركية وعدم الحديث عن فشل مفاوضات واشنطن حتى لا يتسببوا في حرج للرئيس أوباما، وهو مقبل على انتخابات تشريعية حساسة للغاية.
نحن العرب أصحاب الرهان الخاسر دائما مع واشنطن أصبح لزاما علينا أن ندعم الرئيس الأميركي لمواجهة مشاكله الداخلية، وذلك بالطبع ليس مقابل أية مكاسب لنا، فقط من أجل السماح لنا بالبقاء في اللعبة الخاسرة التي أدمنٌاها ولم نعد نقوى على تركها.
نحن العرب نشاهد العالم يتغير من حولنا، والولايات المتحدة تتراجع مكانتها وهيبتها في العالم كله، وموازين القوى تتغير، ولكننا مازلنا في مكاننا لا نتحرك خطوة واحدة للأمام، ومازلنا نراهن رهاننا الخاسر، بينما عدونا، الذي لا ترفض له واشنطن طلبا ولا تقبل أي انتقاد له بسبب سياساته وتصرفاته الإجرامية أو العنصرية تجاه العرب وغيرهم، نجده يستوعب جيدا ما يحدث على الساحة من تغيير في الموازين، ويذهب ليضع جزءا من أوراقه ورهاناته على طاولات أخرى منافسة للطاولة الأميركية.
وقد لاحظنا التقارب الواضح بين إسرائيل وروسيا، وتصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي العنصري ليبرمان بأن إسرائيل تسعى لشراكة إستراتيجية مع روسيا، وهاهما البلدان يتفقان الأسبوع الماضي على تآسيس مصنع مشترك لصناعة طائرات تطير بدون طيار في روسيا، وها هي إسرائيل تمنح الروس حق دخول أراضيها بدون تأشيرة دخول رغم رفض روسيا معاملة الإسرائيليين بالمثل.
وليس فقط إسرائيل، بل أيضا حلفاء واشنطن الأوروبيين باتوا يبتعدون تدريجيا ويعطون ظهورهم للأطلسي متوجهين نحو الشرق، نحو روسيا والصين، وهذا ما كتبته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية يوم السادس من أكتوبر تقول أن الرئيس الفرنسي ساركوزي يريد إنهاء هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على العالم بمساعدة موسكو وبكين.
وقالت الصحيفة أن زيادة التعاون الاقتصادي والأمني بين الاتحاد الأوروبي وروسيا ستكون على رأس الموضوعات التي سيجري بحثها في القمة الفرنسية الألمانية الروسية الثلاثية هذا الأسبوع، وأن الرئيس الفرنسي يعتزم اقتراح إنشاء تكتل اقتصادي جديد من شأنه مد النفوذ الصيني والروسي إلى الاقتصاد العالمي وأوروبا أكثر، وقالت الصحيفة إن هذا سيمثل ضربة قاضية لسيطرة الأميركيين على الاقتصاد العالمي.
وها هو رئيس فنزويلا هوجو شافيز في زيارته التاسعة لروسيا منذ أيام يقول «روسيا ستقف من جديد لتلعب دورها في تحرير العالم. أنا على يقين أن روسيا ستتحمل هذه المسؤولية وستسهم في تشكيل العالم الحر بصفتها دولة عظمى».
العالم كله يسحب رهاناته القديمة ويدير ظهره للولايات المتحدة التي تعاني من أزمات مالية واقتصادية حادة وتغرق أقدامها في أوحال العراق وأفغانستان، بينما العرب الذين تخلوا عن ثوابتهم ومبادئهم مازالوا على العهد الأميركي ثابتون وصامدون.