تنشغل الإدارة الأميركية ومعها حلفاؤها الغربيون بالخروج من العراق، وبتداعيات حرب أفغانستان، وهو الأمر الذي أوجد فراغا فى المنطقة تسعى قوى إقليمية لملئه أو على الأقل أن توجد لنفسها مناطق للنفوذ والتحرك، قد تساعدها في المستقبل لأن تكون شريكا لنفوذ القوى الغربية، أو أن تستفيد من هذا النفوذ مستقبلا في صفقات أو تسويات مع القوى الغربية.
ولعل في مقدمة هذه القوى المعنية إيران وتركيا، ومن يراقب جيدا تطورات الشرق الأوسط لن يجد عناء كبيرا فى اكتشاف صراع الدولتين على مناطق النفوذ في المنطقة، ولن يعدم التوصل إلى أن العلاقة التي تبدو جيدة بينهما على السطح، تخفي التنافس بين الجانبين حول ايهما أجدر بأن يكون هو القوة الإقليمية المركزية في منطقة الشرق الأوسط.
وهناك بالطبع جذور تاريخية ومذهبية تقف وراء الصراع تضاف إلى الأسباب والأهداف السياسية، فمن جهة فإن صراع الدولتين على النفوذ وسعي كلا منهما لأن تصبح هي القوة الإقليمية المركزية، كان قديما واشتد في عصر إيران الصفوية وتركيا العثمانية، وكان الملعب الرئيسي له هو العراق، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كذلك فان إيران تصور نفسها منذ زمن ليس بقصير على أنها زعيمة الشيعة في العالم، في الوقت الذي لعبت فيه تركيا العثمانية دور زعيمة السنة.
وهو الأمر الذي أدى إلى نشوب صراع بين الجانبين تحت ذريعة سعي كل منهما إلى حماية أنصار المذهب الذي تقول انها تمثله، وان كانت الأسباب السياسية والصراع على النفوذ والقوة هو المحرك الرئيسي الذي يقف وراء كل ذلك وكان الطرح المذهبي بهدف كسب الأنصار بالأساس.
وقد اختفى هذا الطرح المذهبي لعدة عقود مع إعلان تركيا أنها علمانية، واتخاذها سياسية إقليمية غير تدخلية قريبة من الانعزالية، ولكن تطورات آخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي الإقليمية والداخلية في تركيا أعادت الصراع مرة أخرى إلى الواجهة.
وكانت ذروة هذه التطورات هي تولي حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية الحكم في تركيا، وأحداث 11سبتمبر 2001، والتي جعلت الولايات المتحدة تبحث عن نموذج اسلامي معتدل تتحالف معه حتى تعزل النماذج الإسلامية الأخرى المتطرفة التي يمثلها تنظيم القاعدة، وحتى لا تبدو الحرب التي تمارسها ضده وكأنها حرب ضد الإسلام.
ولعل الزيارة التي قام بها الرئيس الايراني احمدي نجاد إلى بيروت مؤخرا هي علامة من علامات محاولات كسب إيران للنفوذ في المنطقة، فهو قد حرص على لقاء كافة الفرقاء وحرص على أن يبدو معتدلا، في الوقت الذي كانت فيه قافلة الحرية وتداعيات ما حدث لها وما تلاها من تطورات هي علامة أخرى تصب في محاولات تركيا أن تبدو متدخلة في تطورات الشرق الأوسط، ودليلا على أنها أنهت عزلتها التقليدية عن قضايا المنطقة.
وبالطبع لقد سبق كل من التطورين تطورات أخرى، ولكننا نتحدث هنا على علامتين مهمتين وفارقتين، تعطي دليلا على المحاولات الدائبة من الطرفين لكسب ود أطراف لم تكن موالية له تقليديا أو على الأقل تحييدها، ونقصد هنا توجه إيران ناحية المعتدلين وتركيا ناحية الراديكاليين.
وكما هو معلوم فإن تركيا تريد أن تكون هي الدولة المركزية فى المنطقة لأن ذلك يمكن أن يساعدها كثيرا في تحقيق حلمها الخاص بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهى ترى أن الغرب الاوروبي قد يسمح لها بعضوية الاتحاد إذا وجد أنها يمكن أن تمثل له جسرا للتواصل مع العالم الإسلامي، وهو ما يمكن أن ينهي تماما تاريخا طويلا من سوء التفاهم بين الجانبين.
أما إيران فهي تريد أن تستخدم هذه «المركزية» في صراعها مع العالم الغربي حول ملفها النووي، فهي تريد أن يتحول الملف من ملف بينها وبين الدول الغربية إلى ملف بين الأخيرة ومنطقة الشرق الأوسط برمتها، والمؤسف أن الصراع الدائر بين الجانبين يدور في معظمه على الدول العربية ولا يتعامل مع المنطقة بكاملها كساحة للصراع.
ومشكلة هذا الصراع انه فرض على الدول العربية جدول أعمال جديدا، مختلفا عن السابق، فكلنا يعرف أن بعد اتفاقية اوسلو تم طرح فكرة تأسيس نظام اقليمي جديد هو الشرق الأوسط الجديد، ولكن الموقف العربي الموحد رفض هذه الفكرة تماما لأنها تدمج إسرائيل في المنطقة وهي دولة معتدية متجبرة، ثم بعد الحرب على العراق طرحت الولايات المتحدة فكرة ومشروع الشرق الأوسط الكبير.
ولكن موقف الدول العربية جعل الإدارة الأميركية التي طرحته تعيد النظر فيه وتستبعده، ولكن في ظل الصراع الجاري حاليا بين تركيا وإيران والغياب العربي الكامل عنه يمكن أن يجعله أمرا واقعا، خاصة وان الدول العربية تفكر عبر جامعتها في تأسيس تجمع لها مع دول الجوار، وخاصة تركيا وإيران، وهو ما يعني أن النظام الإقليمي العربي أصبح يعاني خللا، وان التفكير تحول إلى ضخ عناصر غريبة عنه من اجل احيائه ووقف الموت الاكلينكي له.
وبالتالي فإن نتيجة الصراع بين كل من تركيا وإيران سوف تحدد مستقبل المنطقة مالم تتقدم دولة عربية من اجل منافسة الجانبين بما يحفظ للمنطقة طابعها العربي عبر إحياء النظام الاقليمي العربي مرة أخرى، ومن خلال مؤسساته التقليدية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية.
كاتب مصري
