تصل البطالة في الولايات المتحدة إلى 6 .9%، وهو أعلى معدل لها منذ عام 1983. ويُحمّل الجمهوريون الرئيس الأميركي باراك أوباما المسؤولية عن ارتفاع معدلات العجوزات والتي، على حد قولهم، تجرّ الاقتصاد إلى الخراب.
ويُحمّل الديمقراطيون الرئيس الأميركي السابق جورج بوش المسؤولية، حيث دفعت العجوزات الكبيرة خلال تولّي إدارته الحكم ثمن التخفيضات في الضرائب، فضلاً عن تكاليف الحرب في أفغانستان والعراق.وإنني أرى شريراً آخر نادراً ما يوجه إليه اللوم الذي يستحقه، ألا وهو الصين.
من الصعب الآن تجنب الأخبار عن العملة الصينية المقوّمة بأقل من قيمتها وعن حرب العملات المقبلة، وذلك بحسب تعبير وزير المالية البرازيلي أخيراً. ولكن بالنسبة لمعظم الناس، فإن هذا يبدو أمراً فنياً غامضاً، فهو مجال المصرفيين والمسؤولين التجاريين اليوم، وبعيد كل البعد من حياتهم. الأمر ليس كذلك.
إن الحكومة الصينية، وليس السوق الحرة، هي التي تحدد قيمة العملة في البلاد، وهي اليوان. وحسب تقدير جهات عديدة فإن قيمتها الحقيقية أعلى بنسبة تتراوح ما بين 20% إلى 40% من القيمة التي تحددها الحكومة. دعنا نقل، من قبيل الجدل، إن اليوان أقل من قيمته بنسبة 30%.
الآن تخيل أنك بحاجة لشراء فرن جديد. فلو أن متجراً عرض جميع الأفران بتخفيض يصل إلى 30% أقل من المتاجر الأخرى، فهل من المحتمل أنك ستقوم بشراء فرن من هناك؟ هذه هي المشكلة.
فالصين تبيع منتجاتها بأسعار منخفضة على نحو غير معهود، لأنك عند استخدامك الدولار، فلنقل، من أجل شراء المنتجات باليوان، فإن قيمة العملة تكون قليلة جداً، لدرجة أن المنتجات تصبح مباعة بتخفيض كبير جداً.
وبالمقابل بالنسبة للصين، فإن شراء المنتجات الأجنبية يعد أمراً مكلفاً بشكل يحول دون حدوثه، لأن العملة المستخدمة لشراء تلك المنتجات مقوّمة بأقل من قيمتها بكثير.
ما علاقة ذلك كله بمعدل البطالة% فلتتصوروا كم يبلغ عدد فرص العمل الجديدة التي سيتم توفيرها إذا تم تعديل العملة الصينية إلى قيمة أعلى كي تصل إلى قيمتها الفعلية، ونتيجة لذلك، فإن الصين كأكبر دولة من حيث عدد السكان في العالم، تستطيع أن تشتري المزيد من السلع الأميركية.
وكما هي الحال الآن، يقول صندوق النقد الدولي إن الاقتصادات الرئيسية في العالم سوف تنمو بمعدل 7 .2% هذا العام. ولكن الصندوق يقول إن معدل النمو في الصين هو 5 .10%، وهو الأعلى بين الدول الكبرى، في جانب منه نظراً لوجود الخلل في العملة الصينية.
لهذا السبب فإن الرئيس أوباما ووزير الخزانة الأميركي تيموثي جيتنر، وغيرهم، يشعرون بالقلق الشديد إزاء مشكلة العملة الصينية. ولهذا السبب، فإن مجلس النواب أقرّ قانوناً في أواخر الشهر الماضي سوف يفرض تعريفات جمركية حادّة على السلع الصينية إذا لم تقم الصين برفع قيمة اليوان.
لقد هيمنت إمكانية نشوب حرب العملات على اجتماع صندوق النقد الدولي في واشنطن أخيراً. وعلى الرغم من المناقشات الساخنة، لم يتم فعل أي شيء مهم.
إن الحكومة الصينية تصرّ على أنه لا يمكن ضبط العملة. وكان رئيس الوزراء الصيني «وين جيا باو» تحدث في نيويورك خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة أخيراً.
مؤكداً أنه: «لا يوجد أي أساس لإجراء إعادة تقييم جذرية لليوان، ورفع القيمة بنسبة 20 إلى 30% سوف يؤدي إلى إفلاس العديد من المؤسسات وإلى البطالة الحادة»، مضيفاً أن: «الصين سوف تعاني من الاضطرابات الاجتماعية الرئيسية».
هنا يكمن التفسير الحقيقي للسلوك الأناني الخطير للصين. والشعار الذي تردده الحكومة الصينية هو هدف بناء «مجتمع متناغم». وهذا الأمر بالنسبة للصين يعني مجتمعاً يتم فيه توظيف كل أفراده.
وكما أشار العديد من المعلقين الصينيين أخيراً، فإن الصينيين القادرين على كسب معيشة مريحة لأنفسهم وأسرهم، نادراً ما يشكلون تحدياً للسلطة.
وإذا وضعنا ذلك في الاعتبار، لأدركنا أن التنمية الاقتصادية تعتبر الهدف الوحيد للديكتاتورية الصينية.
وهذا هو أحد الأسباب في أنها لا تشعر بالقلق عندما تقوم شركاتها بتصدير أوراق الحائط السامة وغذاء القطط القاتل والأدوية السامة والكثير من المنتجات التالفة الأخرى. التصدير هو التصدير. وبالنسبة للقيادة، ليس هناك ما هو أهم من إبقاء الجماهير مكتفية وراضية.
في الربيع الماضي، وعدت الصين بالسماح لقيمة اليوان بالارتفاع «تدريجياً». حسناً، في الشهور المنقضية منذ ذلك الحين، ارتفع اليوان بأقل من 2% فقط. قدمت الصين الوعد نفسه للرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ولكنها لم تحقق إلا بالكاد تغييرات ملحوظة.
إذن ما الذي ينبغي القيام به؟ لا يمكنك أن تتوقع أن تقوم الشركات الأميركية بمقاطعة الصين. فهي مسؤولة أمام مساهميها وعملائها عن أن تظل قادرة على المنافسة، وما لم تتوقف كل شركة عن الشراء من الصين فوراً، فإن هذه الشركات التي توقفت عن الشراء سوف تعاني من تمتع غيرها بميزة تنافسية.
فقط في حالة إذا ما علمت بكين بأن العالم المتقدم توحد في المطالبة بالتغيير، وإلا سوف تواجه الصين عقوبات جماعية، عندئذ فقط سوف تكون هناك أي فرصة لأن يستمع قادة الصين.
ولكن الدول الكبرى أهدرت فرصة في هذا الصدد، وذلك خلال اجتماع صندوق النقد الدولي أخيراً. الآن كل دولة لا تهتم إلا بشأنها الخاص. تبدأ البرازيل واليابان وكوريا الجنوبية وبعض الدول الأخرى في تخفيض قيمة عملاتها. كذلك تركت الولايات المتحدة الدولار ينخفض. وما ينتظرنا في المستقبل، على الأرجح، هو الفوضى الاقتصادية.
كاتب أميركي فائز بجائزة بوليتزر
opinion@albayan.ae
