فيلمٌ وثائقيٌّ من تشيلي، وفّرَ مشاهدتَه مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي، اسمُه «حنين إلى الضوء»، يتوازى فيه بحثُ علماءِ فلكٍ، في مرصدٍ كبير في صحراءَ ناشفةٍ، عن أسرارِ السماءِ والنجوم، مع تَحَسُّسِ نسوةٍ الترابَ الجافَّ فيها، في بحثٍ عن رفاتِ أحباءَ لهنَّ مفقودين، يَعتقدْنَ أنّ نظام أوغستو بينوشيه دفنَهم هناك.

بَدَوْنَ وكأنّهن يحْفِرْن في ذاكرةِ تشيلي، كما معتقلون سابقون يتحدّثونَ في الفيلم عن ماضٍ حضورُه فادحٌ في ذاكرةِ كلٍّ منهم.... سطورٌ عن ذلك الماضي مرّت في تفاصيلِ الملحمةِ المدهشةِ التي تَجنّدتْ لها تشيلي، رئاسةً وحكومةً وشعباً، لإنقاذِ 33 عاملاً في منجمٍ للنحاسِ والذهب في صحراءَ أخرى، انحبسوا 69 يوماً تحتَ 630 متراً في جوفِ الأرض.

موجزُ تلك السطور أنّ قائدَ العمّال، واسمُه لويس أوزورا، وكانَ آخرَ الخارجين بكبسولةِ «طائر الفينيق» التي تمّ تصميمُها بعبقريةٍ عالية، قال لوزير التعدين في بلادِه: «لا تسمحْ بأن يَحْدُثَ شيءٌ مثلُ هذا ثانيةً»، وهذه عبارةٌ لمنظماتِ حقوقِ الإنسان بشأنِ الدكتاتوريات العسكرية.

أوزورا نجلُ أحد مفقودي دكتاتوريّة بينوشيه، وربّما يكونُ رفاتُ والدِه في أحشاءِ صحراءِ أتاكوما التي تمّ تصويرُ «حنين إلى الضوء» فيها، الفيلم الذي أخرجَه معتقلٌ سابق في زمن بينوشيه، اسمُه باتريسيو غوزمن، هربَ من محبسِه، وعادَ إلى بلادِه بعدَ غروبِ نظامِ الطاغيةِ الذي قضى واختفى قسراً إبّان استبدادِ حُكمه، بعد انقلابِه العسكري في 1973، عشراتُ الآلاف من أبناء تشيلي، وساعدتْه في إطاحتِه حكمَ الرئيس اليساري المنتخب سلفادور الليندي، المخابراتُ الأميركيّة.

انتهى ذلك النظامُ في 1989، وعبرت بعدَه تشيلي إلى خيارٍ ديمقراطيٍّ متقدّم، من تفاصيلِه أنّ أربعةَ رؤساء من اليسار الوسط منتخبين تناوبوا على السلطةِ، تلاهم الرئيس الحالي الميلياردير سيباستيان بينيرا من اليمين المعتدل، والذي قال مُحقّاً الأسبوعَ الماضي، «لم تعدْ تشيلي كما كانت، صارت أقوى وأكثرَ احتراماً»، وذلك بعد نجاحِ عمليّة إنقاذِ عمال المنجم.

النجاحُ الشديدُ الاستثنائية هذا موصولٌ، إذن، بالتقدّم الديمقراطيِّ في تشيلي، ويدلّ على انحيازِ صُنّاع القرار فيها إلى فردانيّةِ وآدميّةِ كل واحدٍ من مواطنيهم، وعلى إرادةٍ وطنيةٍ جامعةٍ هناك، استنفرَت كلَّ إمكاناتِ التحدّي، التكنولوجيّة والبشريّة، واستعانت بخبراتٍ دوليّة (أميركيّة خصوصاً) بعد الاستدلالِ على موقعِ الجحيمِ الذي احتُجِزَ فيه العمال تحت الأرض، فصارَ المستحيلُ ممكناً، وتبدّت عمليةُ الكبسولةِ التي تابَعَها مليار شخص في العالم مباشرةً على التلفزاتِ مليئةً بالرسائلِ الإنسانيّةِ والدراميّة.

وإذ تكلفت أزيدَ من 15 مليون دولار، فالأهمُّ أنّ نزفاً من المشاعرِ الحارّة تمَّ في تشيلي (وفي غيرِها)، تجاه عمالٍ بسطاء، كان غذاؤُهم تحت الأرض ملعقتي تونة معلبّةٍ وكوبي حليبٍ كلّ يومين، حتى إذا خرجوا وصارت لهم حياةٌ جديدةٌ، أعلن أحدُهم أنّه سيتزوجُ زوجتَه ثانيةً، وأهدتْهم شركةٌ أميركيةٌ نظاراتٍ خاصّةً لحمايةِ أبصارِهم بعد انقطاعٍ طويلٍ عن الشمس، وصاروا نجومَ مقابلاتٍ تلفزيونيةٍ ومدعوين إلى عدّةِ مطارحَ في العالم.

نجاحُ إنقاذِ العمّال موصولٌ، أيضاً، بنجاحٍ تنمويٍّ في تشيلي، الموصوفةِ سابقاً بضعفِ معدّل النموّ وسوءِ الإدارة السياسيّة والاقتصاديّة، ولاحقاً بزيادةِ معدّل النمو إلى ضعفِ ما في البرازيل، وبتنافسيّتِها المتزايدةِ في الأسواقِ العالميّة، وإنجازِها خطواتٍ مشهودةً في محاربة الفقر.

ومن حسن حظِّ عمّال منجم سان خوسيه أنّهم عاشوا في غيرِ زمن بينوشيه الذي لم يكن يرى فرقاً بين أن يكون مواطنوه تحتَ الأرض أو فوقها، وذاكرةُ تشيلي بشأنهِ مثقلةٌ بمآسٍ التفتَ إليها مخرجٌ استفزّنا فيلمُه لمّا شاهدناه في أبوظبي.

فقد عرَّفَنا بأنه إذ تحقّق حنينُ العمّالِ إلى الضوْءِ بعد انتهاءِ محنتِهم سالمين، فإن حنيناً إلى ضوْءٍ آخرَ باقٍ لدى مكلومين كثيرين، في بلدٍ أشْهَرَهُ في مداركِنا شاعرُ الحريّةِ والحبِّ بابلو نيرودا... وبينوشيه أيضاً!

albayari@hotmail.com