بدأ ما يسمّى بالمفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مطلع شهر سبتمبر ـ أيلول الماضي مرفقة بتغطية إعلامية وسياسية كبيرة.وقد أعلن الرئيس اوباما أن الهدف منه هو إقامة دولة فلسطينية خلال عام. وهذا ما كان قد أعلنه سابقه جورج والكر بوش عام 2005 وعاد وأكّده من جديد في مؤتمر انابوليس عام 2007.

من الصحيح القول أن اوباما ليس شحيحا بالوعود أو بالتهديدات حول هذا الملف.لكن دون أن تتجسّد في الواقع. وكان قد شرح مرّات عديدة أن شرط استئناف المفاوضات هو التجميد الفعلي لبناء المستوطنات من قبل الإسرائيليين.لكن تل أبيب رفضت بازدراء مثل هذا الطلب الأميركي ولم تجدد فترة تجميد بناء مستوطنات جديدة التي بدأت في شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني 2009 وانتهت يوم 26 سبتمبر ـ أيلول الماضي.

وكانت العربات ومعدات الورشات ومواد البناء قد تجمّعت للشروع في العمل خلال الأيام التي سبقت نهاية فترة التجميد.ووصل الأمر ببعض الخطباء الإسرائيليين إلى القول أن السجّل العقاري الوحيد الذي يعترفون به هو التوراة. في مثل ذلك السياق من كان يمكنه تأمّل أن تثمر المفاوضات؟ لا أحد.

التباين بين الفلسطينيين والإسرائيليين كبير جدا.ونحن مرة أخرى في الموقف المتناقض الذي تبدو فيه جميع الشروط معروفة من أجل الوصول إلى السلام، لكن ليس هناك أيّة دولة تمتلك شجاعة المطالبة بتطبيقها. الفلسطينيون يريدون عامّة حلاّ على أساس الدولتين حسب حدود 1967، وحول مسألة اللاجئين على أساس القانون الدولي ،وأن تبقى القدس مدينة مفتوحة ومقسّمة بحيث تكون عاصمة للدولتين.

بالمقابل ما هي الأهداف الحقيقية للمفاوضين الإسرائيليين؟.لا أحد يعرف ذلك بدقّة.وفي الوقت الذي تبدو فيه الأهداف السياسية للمفاوضين الفلسطينيين واضحة جليّة لم يتم الإعلان عن أهداف نتنياهو. مثل هذا الموقف يسمح له بتبنّي موقف متشدد في البداية ثم أكثر اعتدالا وكأنه يُبدي مرونة ستتم مقارنتها من قبل البعض بالتشدد الفلسطيني.

وهذا تكتيك قديم تبنّاه المفاوضون الإسرائيليون. والأسوأ ليس استخدامهم له من أجل عدم الوصول في النهاية إلى أي نتيجة ملموسة ولكن أن المجموعة الدولية تقبل مثل هذه الطريقة مرّة أخرى دون أن تحتج أو أن تمارس أي ضغط على تل أبيب.

والتباين كبير أيضا بين الطرفين على صعيد موازين القوى بين الطرفين. إن المفاوضين الإسرائيليين يتحركون في إطار دعم أغلبية الإسرائيليين لهم. أمّا القيادة الفلسطينية فلم تكن في أي يوم من الأيام مترددة أكثر مما هي اليوم. وجميع المنظمّات الفلسطينية تعارض استئناف المفاوضات باستثناء فتح التي لا تدعمها عمليا سوى ظاهريا.

قرار استئناف المفاوضات من قبل الرئيس محمود عباّس قوبل بالتشكيك فيه بينما قوبل قرار نتانياهو بالتصفيق حتى من قبل الذين يعارضونه من الإسرائيليين. مثل هذا الواقع لا بد وأن يكون له نتائجه على صعيد تطبيق القرارات إذا جرى اتخاذها في مثل هذا السياق.

مثل هذه المعطيات لا تدعو للتفاؤل. ووضع الفلسطينيين تردّى أكثر فأكثر خلال السنوات الأخيرة..ومهما تتالت التصريحات الداعية للطمأنة فإن التردّي مستمر. ورغم زيادة النمو الاقتصادي بنسبة 6، 8 بالمائة عام 2009 فإن أرقام مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية تشير أن إجمالي الناتج الداخلي للفرد الفلسطيني هو أقلّ بنسبة 30 بالمائة من قيمته لعام 2000.

في الواقع يعتبر الإسرائيليون أنه إذا لم يكن ممكنا الاحتفاظ بالوضع القائم كما هو ومن المستحيل أيضا الوصول إلى اتفاق حول المشاكل المركزية، فإنه ينبغي الوصول إلى بديل قد يكمن في حل جزئي. أليست هذه طريقة للإعلان عن إقامة دولة فلسطينية مصغّرة؟. مصغّرة بحجمها ومصغّرة بصلاحياتها. هذا الموقف الإسرائيلي يعني تطبيق منطق الأمر الواقع.

إن مفارقات النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تجعل منه نزاعا فريدا. لا أحد في المجموعة الدولية يعترف بالاحتلال العسكري الإسرائيلي لعام ولا بضمّ القدس 1967، وهذه وقائع تشكّل كلّها خرقا للقانون الدولي بينما لا تتم مطالبة إسرائيل بتطبيق هذا القانون.

المجموعة الدولية تتمنّى وصول الطرفين إلى اتفاق وكأنهما يتحركان على قدم المساواة وكل مراقب شريف يلاحظ يوميا أن الأمر ليس كذلك. وأية مفاوضات لن تؤدي إلى نتيجة في مثل هذا الإطار.