توالت هجمات حركة طالبان الباكستانية في الأيام الأخيرة على قوافل إمداد قوات التحالف في أفغانستان وعلى شاحنات الوقود التي أشعلوا فيها النيران، وزاد عدد الهجمات منذ مطلع شهر أكتوبر حتى الآن فوصل إلى خمسة هجمات نفذها مسلحون من حركة طالبان الباكستانية على قوافل محملة بالإمدادات العسكرية والتموين كانت متوجهة إلى قوات التحالف في أفغانستان.

ويعتبر هذا شكلاً جديداً في نشاط حركة طالبان لم يكن موجوداً من قبل، رغم أن القوات الأميركية وقوات التحالف دأبتا على استخدام ممر خيبر الباكستاني منذ فترة بعيدة، خاصة بعد إغلاق القاعدة العسكرية الأميركية في أوزبكستان عام 2005، إلى جانب المشاكل القائمة الآن حول القاعدة الموجودة في قيرغيزيا، وغير المعروف مصيرها، هل ستستمر أم ستغلق أبوابها وترحل.

وقد أعلنت حركة طالبان الباكستانية مسؤوليتها عن جميع تلك الهجمات، موضحة أنها تقوم بذلك انتقاماً للمدنيين الأبرياء، الذين سقطوا في الهجمات المتكررة، التي تنفذها طائراتٌ من دون طيار تابعة لقوات التحالف على المناطق الباكستانية المحاذية للحدود الأفغانية. وأكدت الحركة أنها سوف تواصل هجماتها هذه حتى يتوقف حلف الناتو عن نقل الشحنات لجنوده عبر ممر خيبر. هذا الممر الذي تمر منه أكثر من نصف كمية الإمدادات المتوجهة إلى قوات التحالف العاملة في أفغانستان عبر باكستان.

إذا استمرت الهجمات على قوافل الإمدادات ضمن الأراضي الباكستانية، فلن يبقى أمام الولايات المتحدة وحلفائها من خيار سوى زيادة الاعتماد على المنفذ الشمالي، الذي يمر عبر روسيا وأخواتِها الآسيويات من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ومن المعروف أن روسيا وحلف شمال الأطلسي كانا قد وقعا، عام 2008 اتفاقية تسمح روسيا بموجبها للحلف بنقل الحمولات غير العسكرية عبر أراضيها بواسطة السكك الحديدية الروسية.

لكنها رفضت بشكل قاطع السماح بنقل الأسلحة والعتاد العسكري. وقال ممثل روسيا الدائم لدى حلف الناتو دميتري روغوزين «إن الوضع في باكستان لا يبعث على التفاؤل وإن طريق الإمدادات عبر الأراضي الروسية أصبح يتمتع بأهمية حيوية بالنسبة لحلف الناتو».

باشر الناتو بإجراء اتصالات مكثفة مع الجانب الروسي، طالباً توسيع نقل الشحنات عبر الممر الشمالي، وظهرت لغة التودد والتقرب من روسيا على لسان قادة الحلف الذين استعانوا أيضاً بالرئيس الأميركي أوباما باعتباره صديقاً حميماً للرئيس الروسي ميدفيديف، ولكن على ما يبدو أن الصداقة والمودة لا تجدي نفعاً في مثل هذه المسائل الشائكة، خاصة وأن أفغانستان تشكل أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا وتعتبر من دول الجوار القريب.

وتشكل في نفس الوقت مصدراً خطيراً للمخدرات التي تدخل كميات كبيرة منها إلى روسيا والصين وباقي دول الجوار، وتقتل هذه المخدرات القادمة من أفغانستان في روسيا سنوياً نحو ثلاثين ألف شخص، ولروسيا مطلب بسيط وواضح تطرحه دائماً على واشنطن وقيادة الناتو، وهو حرق مزارع المخدرات في أفغانستان.

ولكن القيادة الأميركية وقيادة الناتو يرفضان ذلك تماماً بحجة أنه المصدر الرئيسي لمعيشة الكثيرين من الشعب الأفغاني، هذا على الرغم من التصريحات الأميركية المستمرة التي تؤكد أن المخدرات تشكل المصدر الرئيسي لتمويل حركة طالبان وتنظيم القاعدة والكثير من خلايا الإرهاب، والغريب أيضاً أن موسكو وبكين قدمتا لواشنطن قائمة بأسماء أكبر بارونات تجارة المخدرات الأفغانية في العالم، وعددهم خمسة وعشرون شخصاً معظمهم يعيش في الولايات المتحدة أو يتردد عليها، ولكن واشنطن لم تعر هذا الأمر أي اهتمام.

موسكو سوف تستمر على موقفها المبدئي الرافض بشكل قطعي السماح بنقل الأسلحة والمعدات العسكرية بواسطة الممر الشمالي عبر السكك الحديدية الروسية. لكن ليس من المستبعد أن توافق على استخدام هذا الممر الشمالي لأغراض عكسية، مثل الانسحاب من أفغانستان، أي أن التحالف إذا قرر تقليص قواته في أفغانستان، أو الانسحاب نهائياً من هناك.

فسوف يضطر إلى سحب ليس فقط معداته العسكرية المعطوبة، بل وكل ما تجمع لدى قوات التحالف في أفغانستان من أسلحة وأعتدة عسكرية خلال عشرة أعوام. وفي هذه الحالة سوف تكون تكاليف إخلاء هذه الحمولات عن طريق الجو باهظة للغاية، وعن طريق ممر خيبر الباكستاني خطرة وشبه مستحيلة، عند ذلك ليس من المستبعد أن يصبح الممر الشمالي الروسي المنفذ الوحيد لنقل المعدات العسكرية.