عاد الجدل في الآونة الأخيرة يدور حول إمكانية انضمام روسيا لعضوية حلف الناتو. وذلك في أعقاب تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أندرس فوغ راسموسين الذي دعا إلى تحسين علاقات الناتو مع روسيا وتطويرها لأعلى مستوى، وأكد راسموسين على ضرورة إقامة تعاون واسع في مجال الأمن بما في ذلك لأغراض بناء منظومة أوروبية مشتركة للدفاع المضاد للصواريخ، ومكافحة الإرهاب والقرصنة، ومواجهة تهريب المخدرات، وكذلك في القضايا المرتبطة بأفغانستان.
لاشك أن ملف التعاون بين روسيا وحلف الناتو يحمل أهمية خاصة بالنسبة لموسكو باعتبار أنه يحقق مصالحها في حماية أمنها، ويمكنها من توسيع أعمال مكافحة المخدرات الأفغانية التي باتت تهدد أمن المجتمع الروسي. ناهيك عن أن هذا التعاون يضمن إحلال الأمن والاستقرار في المجتمع الأوروبي والعالمي بشكل عام.
لكن مشروع انضمام روسيا إلى الحلف لا يمكن أن يكون السبيل لتحقيق ذلك، وقد ألمح الرئيس ديمترى ميدفيدف إلى أن الحلف أو المنظمات الأوروبية بشكل عام أصبحت تحتاج إلى إعادة بناء فى المرحلة الراهنة، واعتبر أن هذه المنظمات غير قادرة على حل الخلافات والنزاعات بشكل فعال، وأن المبادرة الروسية لاستحداث هيكلية جديدة للأمن الأوروبي يمكنها أن تساعد على تصحيح الوضع.
وأكد ميدفيديف أن الوضع يتطلب تحركا وتغييرا بغية صياغة وإبرام معاهدة تشمل كافة الدول الأوروبية والأحلاف وجميع المؤسسات الأوروبية والدولية العاملة في أرجاء القارة الأوروبية.
لاشك أن روسيا تهتم بمسار أعمال الناتو وآفاقه المستقبلية، لذا تتابع باهتمام الجهود التي تبذل من أجل إعادة بناء الحلف وإعداد صيغة استراتيجية جديدة لنشاطه، خاصة بعد أن فقد مبرر وجوده التاريخي وهو مواجهة الاتحاد السوفييتي، وبعد انضمام روسيا إلى العالم الحر وانفتاحها الكامل على الغرب.
ويسود اعتقاد فى روسيا أن المخاطر والتهديدات الحالية تحمل طابعا عالميا ولا يمكن التصدي لها بجهود الناتو وحده، كما أنها تعارض توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً وتعتبر اقتراب الآلة العسكرية للحلف من حدودها تهديدا مباشرا لأمنها الوطني.
ويؤكد المسؤولون الروس أن هذا التوسع لا يعزز الثقة في التعاون بين روسيا والحلف، ولا يساعد على التحول إلى نوعية جديدة في العلاقات. وترفض روسيا الأفكار التي تدعو لمنح حلف شمال الأطلسي إمكانية استخدام القوة بدون تخويل من مجلس الأمن الدولي.
اهتمام موسكو بقضايا ألأمن في أوروبا وسعيها للمشاركة فيها ناتج عن قناعة الكرملين بقصور المنظمات الأوروبية في الأداء كما عبر عنها الرئيس ميدفيدف، والتي أيدها العديد من السياسيين الغربيين، فقد أعلن وزير الدفاع البريطاني الأسبق جيفري هون أن مجلس «روسيا- الناتو» لا يعمل بفعالية كافية. وأن قيادة الحلف الحالية تفتقد الفهم لكيفية عمل مجلس «روسيا ـ الناتو»، معبراً عن قناعته بأن هذا المجلس كان يمكن أن يصبح ساحة جديدة لتحسين العلاقة بين الحلف وروسيا.
ويمكن القول أن تطوير وتفعيل صيغة مجلس «روسيا ـ الناتو» على أسس إستراتيجية الحلف الجديدة هو أفضل الصيغ للتعاون الفعال بين الجانبين. أما فكرة انضمام روسيا إلى الحلف فلن تحقق النتائج المطلوبة، ناهيك عن صعوبة هذا الانضمام عمليا، وذلك لأسباب عديدة منها، أولا الانضمام للناتو يعنى التنازل عن السيادة الوطنية جزئيا لصالح هذه المنظمة الدولية.
وهذا الذي تقبله الدول أعضاء الحلف ما عدا الولايات المتحدة لا يمكن أن تقبله روسيا لأنه لا يصب في مصلحتها ولا يتناسب مع حجمها ومكانتها، روسيا يجب أن تحافظ على سيادتها وهويتها الوطنية وتقيم في الوقت نفسه علاقات شراكة مع الناتو من دون أن تنتسب إلى عضويته، ثانيا وهو الأهم أن الحلف يحتاج لإحداث نقلة نوعية في هيكليته وبنيته التحتية تتجاوب مع متطلبات المرحلة المعاصرة، ما يفرض عليه تقليص مساحات التسويات والتباينات الداخلية.
ومن المؤكد أن عمليات توسيع عضوية الناتو التي ترافقت مع تقديم تنازلات للأعضاء الجدد في شروط العضوية حملت الناتو أعباء كبيرة، منعته من إجراء نقلة نوعية في هياكله وأداءه للتجاوب مع احتياجات وتوجهات المرحلة المعاصرة.
إن التوسع دون إحداث تغييرات نوعية في أداء الناتو لتحقيق مصالح أعضاء الحلف بدلا من تحميلهم أعباء جديدة وإضافية تعيق حماية وصيانة أمنهم يعنى بالضرورة إنهاء هذه المنظمة الأورو- أطلسية.
كاتبة روسية