لماذا أثارت زيارة الرئيس الإيراني إلى لبنان كل هذه الزوابع؟ إن لبنان أكثر من غيره من دول العالم تحول إلى محطة ترانزيت والتقاء للعديد من السياسيين أصحاب النفوذ والمصالح والمخططات يدخلون إليها ويقضون حاجاتهم ويغادرونها ولا نسمع ولا نقرأ عنهم شيئا. فكيف ولماذا حظي نجاد شخصيا بكل هذا الاهتمام العالمي والسياسي والإعلامي؟

المسألة ببساطة تعود إلى غباء الإعلام الإسرائيلي. ويبدو أن الإعلام الإسرائيلي بدأت تنتقل إليه عدوى سوء توجيه الإعلام العربي من حيث إثارة الزوابع كوسيلة للدفاع عن النفس ولا يتعلم الصمت حينما يكون الصمت واجبا.

فالصراخ الإسرائيلي الذي سبق وواكب ولاحق تلك الزيارة جعل منها حدثا تاريخيا في المنطقة. ولو تبنت إسرائيل سياسة التجاهل حيال تلك الزيارة لما كان لها كل هذا الدوي. فالتطبيل والهرج والمرج الذي صاحب هذه الزيارة خاصة من الجانب الإسرائيلي كان أكبر من الحدث نفسه.

إن زيارات الرؤساء فيما بينهم عادة ما تكون مسألة دبلوماسية اعتيادية مخطط لها مسبقا بين بلدين لأغراض محددة. غير أن إسرائيل تعمدت أن تثير حول هذه الزيارة الكثير من التهديدات الفارغة ليس لكونها تمثل إيران ولكن لكون الرئيس الإيراني ؟ وليس الفلسطينيون ؟ الذي يقوم بها أصبح يمثل عدوها اللدود الأول منذ توليه رئاسة الجمهورية الإيرانية قبل خمس سنوات.

ولأن نجاد بدأ حياته السياسية بتوجيه صورايخه الخطابية تجاه إسرائيل وأيقظ العديد من المسائل المثيرة للجدل حول وجود إسرائيل وابتزازاتها التاريخية وتمكن من أن يدعم حزب الله في معركته الأخيرة التي أطاحت بالعديد من رؤوس الجيش في الكيان الصهيوني وقلبت أوراق المنطقة رأسا على عقب.

ولأن هذه الحرب بالذات دون غيرها ونتائجها المأساوية على سمعة الجيش الذي كان يعتقد أنه لا يقهر، أثارت حنق وخوف إسرائيل من تصرفات هذا الزعيم الذي لا يتوانى عن المطالبة بإصرار وتكرار بإزالة دولة إسرائيل من الخارطة، ولاقى ذلك صدى لدى الكثير من المسلمين والعرب.

إن نجاد - هو شخصيا قبل إيران كدولة بكامل عدتها وإمكانياتها العسكرية والبشرية وتهديداتها في المنطقة - أصبح يمثل البعبع الذي يخرج للإسرائيليين في الليل. وقد أثبتت الصور التي كانت تبثها وسائل الإعلام خاصة أثناء أحداث الانتفاضات الفلسطينية أن الإسرائيلي المدجج بالسلاح يخاف من ظله.

وسبب ذلك أنه حاصر نفسه بأعداء هو من أوجدهم بسوء تدبيره وأقام دولته بين ليلة وضحاها على غير شرعية وقتل وشرد وتطاول على حقوق الغير وسرق ممتلكات الآخرين دون وجه حق وبنى وأسس عليها مستوطناته، فكيف للسارق والقاتل أن ينام مطمئن البال؟

والخوف والرفض والهرج والمرج والشجب والتهديد الإسرائيلي الذي رافق زيارة نجاد أشبه ما يكون بالدجاجة التي نفشت ريشها لإخافة القط الشرس الذي اقترب من خط الخطر الذي رسمته لنفسها.

غير أن القط الشرس هذه المرة لم يخفه حجم الدجاجة الزائف. واقترب إلى أقرب ما يكون من حدودها متحديا كل تهديدات إسرائيل باغتياله وتصفيته. غير أن إسرائيل اختارت أن تقف متفرجة من مسافة كيلومتر واحد بعد أن كانت الآمر والناهي في المنطقة بأسرها.

إن الرئيس الإيراني لم يأت للمنطقة إلا بعد أن درس جيدا الواقع المحلي والإقليمي والدولي. وهذه الزيارة ليست ؟ كما صورتها بعض وسائل الإعلام ؟ مجرد تحد لإسرائيل والولايات المتحدة والخروج من العزلة. ويبدو أن إيران تضرب بعرض الحائط كل هذا الحصار ومن يقف معه.

ويبدو أن هذه الجمهورية رأت أن لبنان يواجه منذ مقتل رئيس الوزراء رفيق الحريري مخططات غرضها إسقاطه في هاوية العنف والحرب الأهلية والإبادة الذاتية وأدركت إيران أن حليفها حزب الله أصبح في الأيام الأخيرة مهددا أكثر من أي وقت مضى بعدة حراب مسمومة حادة موجهة إلى رأسه وعلى رأسها القرار الظني ومن ثم القضاء على المقاومة ومحاصرة قائدها السيد حسن نصر الله وجر سوريا لمعسكر ما يطلق عليه معسكر السلام في المنطقة وغيرها من الأمور.

فكان قرار الرئيس الإيراني أن يذهب إلى حيث موقع الحدث. ولم يطلب موافقة الكونغرس الأميركي ولا الكنيست الإسرائيلي لتحقيق ذلك. بالطبع هناك دعوة رسمية موجهة إليه كزعيم دولة. وهناك أجندة محددة لهذه الزيارة. وصحيح أن زيارته هذه صاحبها الكثير من الشعارات والهتافات والخطب الرنانة، إلا أنه جاء ويبدو أنه يحمل معه عدة حقائب عملية في طائرته الخاصة التي أقلته.

وربما على رأسها الدعم الاقتصادي لدولة حكم شعبها على نفسه أن لا ينعم لا بالاستقرار ولا بالأمن. وأي شعب لا ينعم بإحدى هاتين لا يمكن له أن يزرع ولا حتى حبة قمح واحدة. فلبنان في حاجة إلى من يشغله بالبناء لكي لا ينشغل بنفسه.

وهذا ما لم تنتبه إليه إسرائيل لكسب ود اللبنانيين، ففضلت إرسال فرق الاغتيالات لتصفية هذا واختطاف ذاك وإثارة الطائفية ودعمها بدلا من دعم استقرارها.وهذه الزيارة تأتي للمساهمة في كسر الجليد بين الطوائف المتحاربة. فمن مصلحة إيران استقرار لبنان وسوريا إذا ما أرادت ردع إسرائيل ومنعها من التقدم أكثر فأكثر في رسم مخططاتها في المنطقة وخاصة في لبنان.

وهي أيضا ترمي إلى التأكيد على أن لإيران كلمة في لبنان كما لها كلمة في العراق. وهي تهدف بالتالي إلى تكريس وجودها بشكل أكثر فاعلية في أكثر بقاع العالم اضطرابا. فالاحتفالات التي سبقت وصاحبت وصوله تدل على مدى التنظيم والتأثير القوي الذي يتمتع به حزب الله في لبنان بفضل الدعم الإيراني.

وإحدى أهداف هذه الزيارة هو القول بصوت عال إن الحصار المفروض على إيران منذ أمد بعيد لم يمنعها من أن يكون لها دور سياسي فاعل في حاضر ومستقبل المنطقة. كل ذلك كان يحدث أمام مرأى طائرات إسرائيل المروحية التي ظلت تحوم على بعد بضعة أميال فقط من المنصة التي كان يلقي منها نجاد كلمته في بنت جبيل حائرة فيما تفعل.

نجاد جاء وهو يعلم مسبقا بأن هناك خرائط جديدة طور الرسم ستحدد مصير المنطقة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق خاصة بعد أن برزت على جانبها الأيسر جمهورية بحجم تركيا بكل ثقلها ودهاء ساستها وبعد نظرهم.

فمتى سيستيقظ العرب من أحلامهم الناعمة والعالم يتغير بين أيديهم ومن خلفهم وهم لا يشعرون؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com