كانت القاهرة في ستينات القرن الماضي، موئلاً وملجأ ومعيناً لحركات التحرر الأفريقية، فقد فتحت أبوابها لهذه الحركات، وقدمت لها المساعدات المالية والتعليمية والدعم السياسي، وفتحت كلياتها العسكرية لتدريب المناضلين الأفارقة، وأبواب جامعاتها لاستقبال الطلاب الذين كانوا يقبلون للدراسة بها بدون شروط.
وتقدم الحكومة المصرية لمعظمهم منحاً دراسية، ووضعت الدبلوماسيين والقانونيين المصريين تحت تصرف حركات التحرر الأفريقية يقدمون لها خبراتهم وخدماتهم، وأسست إذاعة خاصة بأفريقيا تذيع بخمس وعشرين لغة.
وعقد الرئيس جمال عبد الناصر علاقات صداقة (سياسية وشخصية) مع قادة حركات التحرر الأفريقية، وقادة الدول الأفريقية المستقلة في ذلك الوقت. وكان العرب (مسيسين وغير مسيسين) يحفظون عن ظهر قلب أسماء زعماء أفارقة كثر ويعرفون تاريخ حياتهم ونشاطهم والمنظمات أو الدول التي يرأسونها ، مثل قوامي نيكروما (الذي سمى ابنه جمالا ومازال هذا يعيش في القاهرة).
وأحمد سيكوتوري وجومو كينياتا، وفيما بعد باتريس لومومبا ونيلسون مانديلا وغيرهم، وكان لمصر دور هام جداً في استمرار حركات التحرر الأفريقية في نضالها، وفي استقلال بعض الدول الأفريقية أو استكمال استقلالها وتحررها، وبالإجمال كانت القاهرة عاصمة أفريقيا الحقيقية، سياسياً وثقافياً وعسكرياً وفي مختلف المجالات.
وكان أخشى ما يخشاه الاستعماران البريطاني والفرنسي في أفريقيا هو التحريض المصري عليهما، والدعم المصري للشعوب المستعمرة، ولم يعد يفيدهما كثيراً أنهما تخليا عن استعمار بعض الدول عام 1960، أو دعما استقلال عديد من الدول الواقعة تحت هيمنتهما، فقد استقلت أربع عشرة دولة أفريقية عام 1960 دفعة واحدة عن الاحتلال الفرنسي، وتراخت قبضة الاحتلال البريطاني في مستعمراته خوفاً من حركات التحرر، ولم يبق في الواقع من المستعمرين منذ ذلك الوقت سوى الاستعمار البرتغالي في أنغولا وموزمبيق، ودولة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وبقايا مستعمرين في بعض المناطق الأخرى.
لم تنس الدول الأفريقية العون المصري، فهبت بعد هزيمة يونيو 1967 هبة واحدة، وجددت رفضها إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ومن كانت لها مثل هذه العلاقة قطعتها، وبالإجمال كانت العلاقات الأفريقية العربية متينة وقوية وتتصف بالتعاون والفهم والتفاهم المتبادلين، دون الحاجة لبروتوكولات مشاركة، أو أعمال تنسيق، أو اتفاقات لا تتجاوز كونها حبراً على ورق.
تراجعت العلاقات المصرية ـ الأفريقية واستطراداً العلاقات العربية الأفريقية بعد رحيل عبد الناصر، وفُتحت أبواب أفريقيا مجدداً للنفوذ الغربي الأوروبي القديم والأمريكي المتقدم، ثم تبين لهذا النفوذ أن استمراره يكلفه أعباء كثيرة وكبيرة، فأخذ يتراخى ويتراجع، فوجدت الصين فرصتها سانحة، ودخلت أفريقيا كمستثمر بثوب من يقدم المساعدات، وأخذت تقيم المشاريع الصناعية.
ومشاريع استخراج الثروات المعدنية والبترولية وغيرها، وقد تجاوز حجم الاستثمارات الصينية الثلاثين مليار دولار.ثم تحولت العلاقة الصينية ـ الأفريقية الاقتصادية إلى علاقات سياسية، وعقدت الصين مؤتمر قمة أفريقية صينية في بكين قبل سنتين شارك فيها معظم الرؤساء الأفارقة، وأينما توجهت الآن في أفريقيا، ستلتقي بالصينيين، يستثمرون ويقيمون المشاريع ويمددون أنابيب نقل النفط، وربما كان في مخطط الحكومة الصينية أن يصل حجم استثماراتها في أفريقيا إلى ستين مليار دولار خلال سنوات قليلة.
كان من البديهي، بعد انسحاب وتراجع الدور العربي، أن يتسلل النفوذ الإسرائيلي إلى أفريقيا، واستطاعت إسرائيل أن تقنع معظم دول أفريقيا (إن لم يكن كلها) بإعادة العلاقات الدبلوماسية معها، وأن تقيم مشاريع زراعية عديدة وكبيرة في عدة بلدان أفريقية، وتدرب اليد العاملة ليس في مجال الزراعة فحسب بل في مجالات أخرى من بينها المجال العسكري، ويتعاظم النفوذ الإسرائيلي، وتصبح السياسة الإسرائيلية ذات شأن في أفريقيا، ليس فقط في مجال تأمين المصالح الإسرائيلية.
وإنما أيضاً في محاربة المصالح العربية، ولنا من دورها في تحريض الدول الأفريقية الواقعة على حوض النيل على إعادة النظر باتفاقية توزيع مياه النيل خير مثال، مع أن الاتفاقية المعمول بها الآن والتي وقعها عبد الناصر حفظت حقوق الجميع وكانت متوازنة، بل يقول بعض الخبراء أنها كانت في صالح الدول الأفريقية، وهذا ما أصر عليه جمال عبد الناصر في ذلك الوقت.
إضافة إلى أن إسرائيل تقيم منشآت في أفريقيا على أنها منشآت اقتصادية أو صناعية أو غيرها، وهي في الحقيقة قواعد عسكرية أو مراكز تجسس تعتبرها جزءاً من أمنها القومي. وفي المحصلة مدت إسرائيل مجالها الحيوي ليصل إلى باب المندب ويغطي معظم أفريقيا، وتراجع المجال الحيوي العربي ليلامس حدود بلاده.
من الممكن فهم التقدم الصيني في أفريقيا باعتبار الصين دولة صناعية كبيرة وقوة اقتصادية، ومن الممكن تلمس أسباب التغلغل الإسرائيلي في أفريقيا وتوسيع مجال إسرائيل الحيوي ليغطي القارة، إلا أن الملفت للنظر هو الدور الإيراني المستجد في أفريقيا.
وتزايد حجم الاستثمارات الإيرانية فيها، وتعدد الصناعات التي تنشئها، والاتفاقات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية التي وقعتها مع دول أفريقية عديدة، حتى تكاد إيران تكون القوة الخامسة في أفريقيا، مع أنها بلد نام، لا صناعي ولا زراعي متقدم، ولا تزيد معارفه التقانية والاقتصادية عن غيره من الدول العربية المماثلة، وليس أغنى من عديد من هذه الدول، ولا من بلدان الجوار الأفريقي.
عقد العرب والأفارقة مؤتمرهم الثاني في مدينة سرت الليبية الأسبوع الماضي بعد ثلاثة وثلاثين عاماً على المؤتمر العربي الأفريقي الأول، وقرروا (العمل المشترك والتنسيق) ورفع بعض الشعارات الأخرى، فهل بقي للعرب نصيب في التعاون مع القارة السمراء؟. نرجو ذلك.
كاتب سوري
