مع أن الذكرى 37 لحرب أكتوبر ليست رقما خماسيا ولا عشريا متميزا، إلا أنها تميزت عن ما سبقها بكشف الكثير من الوثائق والمعلومات التي لم يكن يعرفها أحد، ومنها الوثائق التي كشفت حالة الفزع والهلع والرعب الذي أصاب القيادة الإسرائيلية بعد عبور الجيش المصري قناة السويس واختراق خط بارليف.

وقد حازت هذه الوثائق اهتماما كبيرا في وسائل الإعلام طغى على معلومات أخرى كثيرة ومهمة، ومنها ما ذكره قادة عسكريون سوفييت عاصروا الحرب وكان بعضهم موجودا في مصر أثناء الحرب، وبعضهم غادرها ضمن مجموعة الخبراء السوفييت الذين «طردهم» السادات يوم الثامن من يوليو عام 1972.

ومن هؤلاء الذين كانوا موجودين في مصر أثناء الحرب، الجنرال نيقولاي إيفلييف الملحق العسكري السوفييتي في مصر آنذاك، والذي تحدث لقناة «روسيا اليوم» عن هذه الحرب، وأشاد كثيرا بالرئيس حسني مبارك عندما كان قائدا للقوات الجوية، وقال إن السوفييت صدموا لتوقف الجيش المصري وعدم تقدمه أكثر بعد العبور، خاصة وأن الطريق كان مفتوحا والقوات الإسرائيلية كانت في حالة فوضى عارمة.

وقال إيفلييف إن موسكو، رغم طرد السادات لخبرائها، كانت تتابع المعركة عن كثب، وأن المخابرات السوفييتية كانت على علم بكل ما يدور داخل أروقة القيادة الإسرائيلية، وكان الكرملين يعلم أن لدى تل أبيب خططا جنونية لضرب مناطق حيوية داخل مصر، ومنها السد العالي.

ولهذا اتصلت القيادة السوفييتية بواشنطن وأبلغت البيت الأبيض بأنه في حالة إقدام إسرائيل على تنفيذ هذه الخطط، فإن الاتحاد السوفييتي سيتدخل بشكل مباشر في المعركة، وحتى تستوعب تل أبيب مدى جدية التهديد السوفييتي، أعلنت حالة الطوارئ في سلاح الجو السوفييتي، وحلقت طائرات سوفييتية بالقرب من المنطقة.

وقال الجنرال إيفلييف إن تصرفات الرئيس السادات كانت توضح أنه يسعى للتقارب مع واشنطن، وأن المعلومات الاستخباراتية تؤكد أن السادات زار بريطانيا وإيطاليا سرا قبل الحرب، وأن قرار طرد الخبراء السوفييت كان بناء على إملاءات من واشنطن.

وكان الهدف الأساسي منه إلا يعترض السوفييت على توقف القوات المصرية عند نقطة معينة بعد العبور وعدم تقدمها للأمام، خاصة وأن أفراد الجيش المصري وقياداته أثبتوا كفاءة عالية جدا لم يكن يتوقعها السوفييت أنفسهم، وكان لديهم حماس منقطع النظير.

جنرال سوفييتي آخر، هو محمود غارييف الذي شغل منصب كبير المستشارين العسكريين في مصر، وكان على رأس المجموعة التي طردها السادات، يقول إن لدى موسكو يقينا تاما بأن قرار استبعاد الخبراء السوفييت كان بإملاء من واشنطن، وكانت لدى موسكو أيضاً معلومات مؤكدة قبل الحرب بأن السادات يسعى لسلام مع إسرائيل.

وأشار غارييف إلى أن رئيس الوزراء الأسبق يفغيني بريماكوف، قال لصحيفة واشنطن بوست الأميركية إن الرئيس السادات اتفق مع وزير الخارجية الأميركي وليم روجرز على طرد الخبراء السوفييت، وقال غارييف إن السادات لم تكن لديه نية لخوض حرب واسعة النطاق من أجل استرداد الأرض المصرية كاملة، وأنه، السادات، قال له شخصيا عام 1972 «ساعدوني لاسترداد ولو عشرة أمتار فقط في سيناء، حتى أتمكن من تغيير الأوضاع وأضع القضية أمام العالم كله».

وقال غارييف أيضاً إنه زار الجبهة المصرية أكثر من مرة، وأنه لاحظ في آخر زيارة له أن منطقة الدفرسوار بالتحديد خالية من أية تحصينات جدية رغم أهميتها، وعندما أبلغ ذلك للقيادة المصرية وضعوا فيها كتيبة عسكرية واحدة من جنود وضباط من دولة الكويت، ليست لديهم خبرة سابقة في الحرب ولم يتدربوا مع المصريين، وعندما اندلعت الحرب كانت المنطقة خالية تماما.

ويبقى السؤال المحير: لم إذن قرر السادات طرد الخبراء السوفييت وهو مقدم على حرب مصيرية مثل هذه ويعلم أن إسرائيل معها أميركا؟ هل كان على ثقة تامة بالنصر ولا يريد، كما قال، أن ينسب الفضل للسوفييت؟

elmoghazy@hotmail.com