انطلقت في الأيام القليلة الماضية في حاضرة الفاتيكان، في روما عاصمة العالم الكاثوليكي، أعمال ما يعرف ب«سينودس الشرق الأوسط» للبطاركة والأساقفة الكاثوليك العرب من دول الشرق الأوسط، والذي يناقش على مدار أسبوعين متصلين أحوال ومآل المسيحيين العرب في الشرق الأوسط.

وفي وسط زخم أحداث «السينودس» التي تناقش هذه القضية المهمة للغاية على أكثر من محور، يعنّ لنا أن نتساءل: كيف باتت دولة الإمارات العربية المتحدة مثالاً رائداً في هذا التعايش الإسلامي المسيحي، وبشهادة الفاتيكان ذاته؟، وقد جاءت هذه الشهادة على هامش تقديم الدكتورة حصة أحمد العتيبي أوراق اعتمادها كأول سفيرة للإمارات لدى البابا بنيدكتوس السادس عشر في يونيو الماضي.

يعد بابا الفاتيكان الرئيس الفاعل والحاكم مدنياً في دولة الفاتيكان، والمتنفذ روحياً في كاثوليك العالم، وعليه فإن كل كلمة يتلفظ بها موزونة بميزان من ذهب كما يقال، ولهذا فإن تصريحاته عقب تسلم أوراق اعتماد أول سفيرة إماراتية، في حق بلادها، تعد وعن حق تقديراً كبيراً ومهماً للغاية لدولة الإمارات وقياداتها وشيوخها ومفكريها..

ما الذي قاله البابا؟

بدا واضحاً في كلمة الحبر الأعظم أن المقدمات تقود إلى النتائج، وأن مناخ الحرية الدينية واحترام المعتقدات والعقائد الذي ساد منذ تأسيس الدولة وحتى الساعة، هو الأمر الذي ترك الانطباع الأكبر والأهم عند بابا روما بنيدكتوس السادس عشر.

أشار البابا في لقائه مع الدكتورة العتيبي، إلى أن آلاف المغتربين من الأجانب تم الترحيب بهم، وبذلت الإمارات جهدها لتعزيز الظروف الملائمة لتعايش سلمي وتقدم اجتماعي، «وهو أمر جدير بالثناء» على حد تعبير الحبر الأعظم، والذي أشار برضا إلى تبرع دولة الإمارات بالأراضي التي أقيمت عليها الكنائس الكاثوليكية.

وفي كلمته كذلك، أكد البابا أن حرية العبادة التي عرفتها الإمارات، أسهمت بشكل فاعل ولافت في خدمة المصلحة العامة، وولدت التآلف الاجتماعي السائد في الدولة.

ولم يفت البابا أن يشير إلى الاحترام والمكانة المتقدمة التي يعطيها للأديان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، فخلال احتفال مشترك مع سفراء آخرين في 15 إبريل 2008، قال سموه إن الممثل البابوي «يقوم برسالة استثنائية ترمي بخاصة إلى الحفاظ على الإيمان بالله وتعزيز الحوار بين الثقافات والأديان».

وإزاء هذا التصريح المتشح بالتسامح والمليء بالود الإنساني، كان البابا يذكر من جهته بما قاله مؤخرا في وثيقته الشهيرة «المحبة في الحقيقة ءزةشءس ةخ ضزةشءش»: إن الإيمان بالكلي القدرة لا يسعه إلا أن يؤدي إلى محبة القريب، لأن المحبة هي قوة استثنائية ترشد الناس إلى اختيار التزام شجاع وسخي في مجال العدالة والسلام».

والمقطوع به أنه لا تمكن الإشارة للتاريخ الحديث للإمارات، إلا ويتم ربطه مع رجل من أصحاب القامات السامقة التي ترتفع في أعلي عليين لتطال السحاب، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باني الدولة الحديثة، والذي عرف عنه أنه صاحب قرار شجاع ورجل عطاء وسماحة وحب ومواقف شجاعة، على مستوى الوطن والعالم.

ومما لا شك فيه أن هذه الأجواء لم تكن لتغيب عن أعين المنظمات الدولية التي ترصد حالة وحركة الحريات الدينية حول العالم، ففي العام 2008 أشاد التقرير الخاص بالحريات الدينية والصادر عن وزارة الخارجية الأميركية، بسياسة التسامح الديني في دولة الإمارات تجاه مختلف المجموعات الدينية غير المسلمة.

والثابت أن الإمارات العربية المتحدة بحضورها الدبلوماسي في حاضرة الفاتيكان، إنما تقوي وتشد من عزم الحضور العربي والإسلامي المعتدل حول الكرسي الرسولي، كي لا يبقى فريسة للوجود الإسرائيلي الذي يحاول وأد الصرخات العادلة التي تخرج من الفاتيكان وتزعج إسرائيل.

وربما لا يعلم الكثير منا أن العلاقات بين الفاتيكان وإسرائيل، وإن بدت على السطح في بعض الأحايين في وئام ظاهري، إلا أنها في غالب الوقت مضطربة ومنذ زمن يعود إلى العام 1904، عندما رفض البابا وقتها «بيوس العاشر» طلب تيودور هرتزل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين والإقامة هناك.

وقد كانت المواقف الصادرة من حاضرة الفاتيكان أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة، قوية بشكل غير مسبوق، إذ شبه رئيس لجنة العدالة والسلام، الكاردينال «ريناتو مارتينو» ما جرى في غزة بأنه «محرقة»، وأن غزة باتت «سجناً كبيراً»، الأمر الذي جن جنون إسرائيل من جرائه.

تتفق حاضرة الفاتيكان مع دولة الإمارات، وكما قال البابا، في أن مجال العلاقات الدبلوماسية بين البلدين يعزز السلام وحقوق الإنسان والتنمية الشاملة، ويناضل من أجل التقدم الفعلي للجميع، بغض النظر عن عرقهم أو لونهم أو عقيدتهم.

ويؤكد البابا للدكتورة حصة العتيبي أن دوائر الكوريا الرومانية (حكومة البابا)، مستعدة لتقديم المساعدة والدعم لإنجاز مهمتها، وفي مقدمتها تعزيز العلاقات التي نشأت لحسن الحظ ـ على حد تعبير البابا ـ بينه وبين الإمارات.

وهذه فرصة ذهبية للوجود العربي الإماراتي داخل حاضرة الفاتيكان، وهو وجود يعكس روح التسامح العربي والإسلامي، ويعطي انطباعاً مشرفاً عن التعايش الإسلامي المسيحي في الشرق الأوسط، ما ينفي القول بحتمية صراع الحضارات أو وجوب تناحر أصحاب الأديان، وهو أمر يضاف ولا شك للرصيد الحضاري للإمارات قيادة وشعباً.

كاتب مصري

emileamen@gmail.com