في مقالة نشرتها مجلة الشؤون الخارجية التي تصدر عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، في عدد سبتمبر المنصرم تحت عنوان «خرافة الدومينو النووية»، أشار كاتبها جوهان بيرجيناس إلى أن اللعبة النووية في منطقة الشرق الأوسط، لن تؤدي إلى انهيار اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية تباعاً في أقطار المنطقة، كما تتهاوى قطع الدومينو في اللعبة الشهيرة حين يتهاوى واحد فقط من أحجارها.
الكاتب يرى أن سباق التسلح النووي على مستوى العالم الذي شهدناه حتى الآن، لا يدعم توقعاً كهذا من جهة، ولوجود موانع تحول دون ذلك من جهة أخرى. وذكر أن هذه الموانع تتمثل في وجود المظلة النووية الأميركية التي تضفي الحماية على بعض دول المنطقة، ولوجود الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي ألزمت معظم دول العالم بالتوقيع على اتفاقية حظر انتشار الأسلحة النووية.
ويشير الكاتب في مقالته، تعزيزاً لوجهة نظره، إلى أن حصول إسرائيل على السلاح النووي في نهاية ستينيات القرن المنصرم، لم يدفع الدول المعادية لها، وهي دول عربية في حالة حرب معها منذ تأسيسها، للسعي نحو التوازن الاستراتيجي معها والعمل على امتلاك قدرات الردع النووي.
ويضيف الكاتب دليلاً آخر إلى أطروحته، فيقول إن حصول كوريا الشمالية على السلاح النووي لم يدفع الدول القريبة منها، وخاصة كوريا الجنوبية الأكثر قرباً والأكثر عداء، للسعي نحو امتلاك السلاح النووي.
وفي سياق الحديث عن نظرية الدومينو وعدم جدارتها في التنبؤ بمسارات أحداث المستقبل، يشير آخرون إلى فشل مشروع الرئيس الأميركي السابق جورج بوش حول الشرق الأوسط الكبير الذي تبنى نظرية انهيار الدومينو، حيث تم اختيار العراق ليكون الحجر الذي يطلق مسلسل التهاوي. فسقوط النظام العراقي السابق، لم يترتب عليه تهاوي أنظمة أخرى في المنطقة راهن على سقوطها الجانب الأميركي، وفق ما تتوقعه هذه النظرية.
ويبدو في ضوء هذه المداخل التي ولج إليها الكاتب وغيره، أن لعبة الدومينو ونظرية تهاوي أحجارها، قد لا تكون غير مصطلح أدخله في معجم التنظير السياسي من يعشق التماهي في أجواء الترف الفكري، كما أدخلت قبل ذلك مصطلحات كثيرة إلى هذا المعجم أخذت من علوم أخرى متفرقة، مثل نظرية الكوارث ونظرية الكتلة الحرجة ونظرية الفوضى الخلاقة وغيرها.
ولكن هناك من الأحداث ما لا يتفق مع أطروحة الكاتب، فدراسة مسارات الأحداث في ساحات الأزمات في العالم، خاصة الساحات التي تبتعد عنها المظلة النووية الأميركية وتتراخى فيها قبضة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يكشف صوراً أخرى.
فالهند لم تسع للحصول على السلاح النووي إلا بعد أن حصلت الصين عليه، وباكستان لم تحصل كذلك على هذا السلاح إلا مخافة من جارتها الهند التي امتلكته. فالمعروف أن للهند خلافات حدودية مع الصين حول خط ماكماهون، وقد خاضت حروباً معها بسبب ذلك، كما أن الباكستان قد دخلت في أكثر من حرب مع الهند بسبب خلافات كثيرة، ولا تزال قضية كشمير شاهدة حتى اليوم على حدة الخلاف بين البلدين.
كما أن المثل الذي ساقه الكاتب حول عدم سعي الدول العربية للحصول على السلاح النووي كرد فعل لامتلاك إسرائيل له، ليس دقيقاً. فالنوايا لا يمكن أن تترجم إلى واقع عملي، إلا حين تتوافر القدرات المالية والفنية لذلك.
والبرامج النووية ذات الطابع العسكري، تحتاج إلى موارد مالية وبشرية كبيرة جداً، لا تتوافر في معظم الدول العربية، إلا أن من امتلكها لم يتوان عن البدء بها. ولعل البرنامج النووي الذي ابتدأ العراق في تنفيذه منذ سبعينيات القرن المنصرم، أبرز دليل على ذلك.
كما أن قراءة الكاتب للملفات النووية فيها قدر من القصور، فهو لا يرصد الأحداث المباشرة التي تطفو على السطح ولا يعيرها ما تستحقه من أهمية، إذ ليس من الضروري أن تكون ردود الفعل من جنس الفعل نفسه.
فليس بخاف على أحد أن دوافع بعض الدول العربية، للتوجه نحو حيازة الطاقة النووية وعقد اتفاقيات مع الولايات المتحدة وفرنسا لبناء مفاعلات نووية لغرض إنتاج الطاقة الكهربائية، لم تظهر في الحقيقة إلا كرد فعل لما تشهده المنطقة من إرهاصات، بعد أن قطعت طهران شوطاً بعيداً في برنامجها النووي المثير للجدل.
فالمفاعلات النووية تعتبر أبرز البنى التحتية التي تسهل لهذه الدول حيازة قدرات وخبرات متقدمة، نظرياً وتطبيقياً، تساعدها في الحصول على التكنولوجيا النووية العسكرية عند الضرورة.
كما أن من غير المناسب تجاهل تأثيرات أحداث مدوية في مكان ما في ما يجاورها، فالأحداث الخطيرة لا تنحصر تأثيراتها في مساحات صغيرة. فالاحتلال الأميركي للعراق وسقوط النظام العراقي السابق، يعتبر من أخطر ما حدث في منطقة الشرق الأوسط منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.
ومع أنه لم يؤد مباشرة إلى تهاوي أنظمة أخرى كما تنبأ البعض، إلا أنه أذكى أحاسيس الشعور بالخطر لدى بعض دولها. فالتغيير الكبير الذي حصل في العراق، لحقته تغييرات ملموسة في معظم الدول المجاورة، فقد نشطت المعارضة في هذه البلدان، وحصلت تحولات، وإن كانت هامشية التأثير، في هيئة المؤسسات الحاكمة.
ولعل أوضح ما يدل على ذلك، هو الانتخابات النيابية التي أجريت في عدد من الدول التي لم يكن لهذا التقليد وجود في ممارساتها السياسية. كما أن شيوع فكر التغيير وتزايد نشاطات جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان، مؤشر آخر على أن تهاوي النظام العراقي السابق لم يمر في الحقيقة مرور الكرام.
في لعبة تهاوي أحجار الدومينو، نرى فعلاً فيزيائياً، حيث يتهاوى الحجر الأول على جاره، ويتهاوى هذا الجار على جاره الآخر.. وتستمر العملية حتى يتهاوى جميع الأحجار مهما كان عددها، في مسلسل قد لا يستغرق سوى بضع دقائق.
أما في واقع الحياة وفي بحور السياسة، حين لا تكون الأحجار أحجاراً وحين يكون الفعل الفيزيائي نتاج مخاض طويل تصارعت في حلباته القدرات والنوايا والإرادات، فقد يستغرق مسلسل التهاوي بضع سنوات، وليس بضع دقائق فقط.
كاتب عراقي
