ترى، هل يمكن للنظام السياسي في أميركا أن يقدم حلا لمشكلة الفقر في البلاد؟ هل الفقراء محل اهتمام، أم أن كل شيء في واشنطن يستهدف من يبلغون من الثراء حدا يكفي لإعطاء التبرعات للحملات الانتخابية؟ هل لا تزال أميركا أمة واحدة، أم مجرد بلد فيه نخبة صغيرة أكثر ثراء من أي وقت مضى في التاريخ، في ظل تدهور طبقة متوسطة كانت يوما ما موضع حسد العالم؟!

في الوقت نفسه، تشغل فئة متزايدة من الأميركيين تعيش تحت خط الفقر، مكانة هامشية في سياساتنا ووسائل إعلامنا، حيث تضاعف عدد الفقراء حاليا مقارنة مع نصف قرن مضى، عندما استجاب الرئيس الأميركي الأسبق جون كنيدي لأول مرة، لدعوة «مايكل هارينغتون» في كتابه «أميركا الأخرى» عام 1962.

الأدلة الحديثة ليست مشجعة.

ووفق تقرير جديد للتعداد في الولايات المتحدة، تبين أن نطاق الفقر متسع ومتزايد خلال مرحلة الركود الاقتصادي الحالي. هذا التقرير يعتبر بمثابة صيحة موجهة إلى قادتنا، ولكنه قوبل غالبا بالصمت، أو ظهر في الأخبار لمرة واحدة.

ورغم الفجوة الجوهرية التي نعانيها في الثروة، وهي الفجوة غير العادلة التي لم تظهر منذ فترة ما قبل الكساد الكبير، فإن الفقر لم يعد في الوقت الحالي على جدول أعمال السياسة العامة.

بدلاً من ذلك، فإن الجدل في الكونغرس يدور حول ما إذا كان سيتم تمديد العمل بنظام خفض الضرائب، الذي تم إقراره في عهد الرئيس الأميركي السابق بوش الابن بالنسبة لأكثر الفئات ثراء على هذا الكوكب، والذين استفادوا بالفعل ودون وجه حق، من الإعفاءات الضريبية والإعانات الحكومية، نتيجة «استثمارهم» في الساسة، وفي اقتصاد المقامرة بشركات وول ستريت، الذي يبالغ في قيمة التمويل ويبخس قدر الأسر العاملة ويحط من شأن الفقراء.

إننا نمتلك أعظم الموارد والثروات المعروفة حتى الآن. لذا، فإن وجود أكثر من 44 مليون شخص يعيشون تحت خط الفقر، يمثلون 14% من عدد سكان أميركا و20% من الأطفال، يشكل طوقا يخنق أميركا.

وهناك واحد من كل أربعة أميركيين، بما يصل إلى 72 مليون شخص، يصنفون في قائمة «شبه فقراء»، بحسب البيانات الرسمية، والأسرة المكوّنة من أربعة أفراد يبلغ دخلها 634,32 دولارا فقط في عام 2009، وهو ما يعتبر عارا أخلاقيا. ويعزى الفضل إلى برنامج التحفيز في إنقاذ أو إيجاد ما يتراوح بين 4,1 إلى 3,3 ملايين فرصة عمل، والحيلولة دون وقوع 6 ملايين شخص إضافي في براثن الفقر المدقع.

ولكن الفقر لا يزال يزداد، فهناك أكثر من 3 ملايين فقير غير معلن عنهم خلال عام 2009، وهناك عدد أكبر الآن مما كان الوضع عليه قبل 50 عاماً، عندما تم نشر هذه البيانات لأول مرة.

وهذا الواقع مدمّر، ففي عام 2009 قفز معدل الفقر إلى 3,14%، وتخطى عدد الأشخاص بدون التأمين الصحي حاجز 50 مليون شخص لأول مرة، وتضخم معدل البطالة، مع تضاعف هذا العدد بين الأميركيين من أصل إفريقي ولاتيني، وأحيانا تزايد العدد إلى ثلاثة أضعاف على المستوى الوطني.

الطبقة المتوسطة الأميركية مستمرة في الانهيار، وتفقد المدن الرئيسية وظائف في قطاع النقل العام وبين المدرسين في المدارس العامة، وسائقي الحافلات وحتى الشرطة ورجال الإطفاء. الإسكان العام أصبح أكثر ندرة، ومعدلات حبس رهن المنازل آخذة في الازدياد. وتأثير مثل هذا الفقر المدمّر ينعكس على تفتيت قوة مدارسنا، وإضعاف السلامة العامة، والإضرار بالبيئة المحيطة بنا، وسحق الأسر الأميركية.

ورغم الصور النمطية القديمة، فإنه لم يكن صحيحاً أبدا أن معظم الفقراء في أميركا كانوا من السود أو ذوي البشرة البنية أو الصفراء أو الحمراء، بل إن أكثر الفقراء من البيض، سواء النساء أو الشباب.

الآن أصبح الوجه الجديد للفقر في أميركا، يضم عمال شركات السيارات الذين تم نقل وظائفهم إلى خارج أميركا، ولن تعود أبدا. وشمل الفقر أيضا خريجي الكليات من الشباب الذين يعملون في وظائف بحد أدنى من الأجور، ولا يقدرون على إيجاد فرصة عمل تلائم المؤهل العلمي الذي حصلوا عليه. وشمل أيضا الأمهات اللاتي كن ضمن برنامج الرعاية الاجتماعية السابق، وتم تسريحهن حاليا نظراً للركود الاقتصادي، دون توفير شبكة أمان لمساعدتهن على مواصلة العيش.

صراخ الأطفال الرضع في منطقتي أبالاشيا والبوكيرك، ودموع الأمهات في المناطق الريفية في الجنوب، والإحباط الذي أصاب العمال المسرّحين في المدن على امتداد أميركا، هل يمكن حقا أن يتجاهل نظامنا السياسي هذا القدر الكبير من الآلام في أميركا؟

إننا كشعب له ضمير، نسعى إلى الوسط الأخلاقي. علينا أن نسأل أنفسنا: ألم يحن الوقت لشن حرب جديدة على الفقر، إلى «نهج جديد» يعد جديدا تماما، وخطة جديدة ل«مجتمع عظيم» شبيهة بما تم تبنيه في عهد الرئيس الأسبق ليندون جونسون؟ الصرخة التي أطلقها الدكتور «كينغ» من خلال «حملة من أجل الفقراء»، قد عادت لتدوي من جديد. ويجب أن نطالب بأن يولي قادتنا السياسيون قدرا من الاهتمام بالأمر.

إننا بحاجة إلى أن يتخذ قادتنا الخطوة الجريئة، المتمثلة في الالتزام بتقليص الفقر بنسبة 50% على مدى السنوات العشر المقبلة، أي أن نصل إلى النصف في 10 سنوات!

يجب أن يكون هناك إحساس بروح المبادرة لمعالجة هذه الأزمة الأخلاقية والاقتصادية. في برنامج التحفيز الأول، قمنا بسقي الأوراق بالماء.. ونحتاج إلى برنامج التحفيز الثاني لري الجذور.

مرشح سابق للرئاسة الأميركية