تُصحّح جائزةُ نوبل للآداب النظرةَ إلى قيمتِها الاعتباريّة الكونيّة، حين تُمنَحُ للبيروفي ماريو فارغاس يوسّا، بعد سقطتِها في العام الماضي لمّا أُعْطِيَت للألمانية هيرتا موللر، من دون أدنى جدارة، كما سقطاتٌ أخرى، لمّا راحت، مثلاً، للمجري إيمري كيرتش والنمساوية ألفريدي يلينيك والأميركي جوزيف برودسكي.
وتؤكّدُ في هذا العام على تنوّعِ الخياراتِ الفكريّة والسياسيّة للفائزين بها، عندما تنتبهُ بالضرورةِ إلى الانشغالاتِ الجماليّة لمُنجزِهم الأدبيّ، ففيما نالَها من أهلِ اليسارِ ومناهضي السياساتِ الأميركيّة، الألماني غونتر غراس والإيطالي داريو فو والبرتغالي خوسيه ساراماغو والبريطاني هارولد بنتر.
فإنها تلتفتُ لمن هم في اليمين الليبرالي ودعاةِ الديمقراطيّة الغربيّة والحريّة الاقتصاديّة، من طراز يوسّا الذي طلّق اليسارَ (المتطرف أحياناً) الذي أقام فيه زمناً، ثم انقطَعَ إلى الدفاعِ عن الحريّات وحقوق الإنسان ونقدِ الدكتاتوريات.
ولذلك، صارَ يُعادي نظام فيدل كاسترو في كوبا بعد صداقةٍ معه، ويهاجم هوغو شافيز في فنزويلا. ومن موقعٍ سياسيٍّ خاص، تطلعَ إلى رئاسةِ بلادِه، وأخفقَ في انتخاباتِها قبل 20 عاماَ، ورُميَ بأنّه متنكرٌّ لهويّتِه اللاتينية.
أن تُعمي الأكاديميةُ السويديّةُ التي تمنَحُ الجائزةَ العتيدةَ عيونَها عن أدباءَ عربٍ، وصينيين وهنودٍ، أعلى كعباً من كثيرين نالوها، فهذا موضوع آخر، يبقى السؤالُ الانتقاديُّ بشأنِه وجيهاً ومطلوباً.
ولكن، يَحسُنُ أن لا يصرِفَنا الاستغراقُ فيه عن استحقاقِ الكاتب الكبير، ذي الألمعيّة الأدبيّة الرفيعة، ماريو فارغاس يوسّا، لها، وهو الذي يحوزُ مقروئيّةً عربيّة واسعةً بعضَ الشيء، وقد تُرجم إلى لغتِنا من نتاجِه معظمُ رواياته، وكتابان نقديان.
أما يمينيّتُه، وشغفُه بالنموذجِ الغربيِّ للديمقراطية، ومناهضتُه أنصاراً لنا في أميركا اللاتينية، فالأوجبُ أن يُنظرَ إلى هذا كله من بابِ انحيازِ هذا المثقف إلى قيمٍ إنسانيةٍ عالية، قوامُها حقوقُ الإنسان وحرياتُه.
وليست انعطافتُهُ من أقصى اليسار إلى الليبرالية السياسية قبل عقود، محلّ انتقادٍ كيفما اتفق، إذ تدلل على قلقٍ فكريٍّ لديه، لا سيّما وأنّه على شيءٍ من التقلب في مواقفَ أعلنها في غير شأن.
وهذا لا يعني التسليمَ بأنّه «تابَ» عن خيارٍ وذهب إلى آخر، استرضاءً للولايات المتحدة التي يُدرّسُ في إحدى جامعاتها، وانحيازاً لسياساتها، فقد باعد الرجلُ نفسَه عن مسلكياتِ اليمينِ المقيت، مركّزاً على هجاءِ القمع، الشيوعيِّ منه خصوصاً.
لا يَسُرّنا ما كان عليه ماريو فارغاس يوسّا من إعجابٍ بإسرائيل ودفاعِه عنها، وتسلمِّه مرَّة فيها جائزةَ القدس، ما يتناقضُ مع دفاعِه عن الحريّات وحقوقِ الشعوب المضطهدة. ولكن، يحسُنُ الانتباهُ إلى ما باتت عليه آراؤُه في هذا الشأن، فقد أعلن خجلَه من أن يكونَ صديقاً لإسرائيل إبّان العدوانِ على قطاع غزّة.
وكتبَ أنَّ الفلسطينيين يتعرّضونَ لأكبر مظالم التاريخ، ونشرَ كتاباً عن رحلةٍ قامَ بها إلى فلسطين، ضمّنه صوراً التقطتها ابنتُه رفيقتُه في الرحلة، أزعجَ الإسرائيليين كثيراً.
ولا يسرُّنا أنْ يُناصرَ يوسّا الحربَ على العراق، لأنّها «أسقطت الدكتاتور صدام حسين»، وإنْ لا يستقرُّ على رأيٍ في هذا الأمر، فقد كتبَ لاحقاً أنّ الحربَ غيرُ شرعيّة، وتالياً، وجد انتصاراً للإرهابِ (؟) في قرارِ إسبانيا سحبَ قواتِها من العراق.
وكان يوسّا قد نشر تحقيقاً صحافيا، ضمّنّهُ انطباعاتِه في زيارةٍ إلى بغدادَ قامَ بها، بُعيدَ الغزوِ بشهور، وجالَ في جامعةِ بغداد التي ذكّرته عيونُ الطالبات فيها بألف ليلة وليلة (!).
ليس الكاتب البيروفي معنا تماماً، إذن. ولكن، لا يحسنُ النظرُ إلى هذا الأمر، بالمرضيّة الشغوفةِ بالبحثِ عن استهدافٍ لنا، فالإشراقاتُ الإبداعيةً في رواياتِه تستحقُّ احتفاءَ قُرّائِه العرب بها، بمناسبةِ فوزه المتأخر بجائزةِ نوبل للآداب.
والتي جدّدَت في ذلك لياقتَها الثقافيّةَ الكبرى، وإنْ تظلَّ في حاجةٍ لأنْ تحميَ مكانَتَها، بأنْ ينالَها، مثلاً، كُتّابٌ عربٌ جديرونَ بها غيرُ قليلين.